وراء ثلاثة جدران فولاذية أو أربعة

في عشرينات أعمارهم، الفرق محدود بين شبان بلداننا وغيرها. يتمتعون والطموح وطاقة الابتكار وروح الحرية نفسها المميزة لجيلهم في كل مكان. بعد حين تصطدم أنشطتهم بجدران صلبة. أولها هياكل السلطة الاستبدادية. هذا محتم بفعل غيريتهم ورغبتهم في الخدمة والعمل العام، وبفعل عدوانية وخبث وأنانية تلك الهياكل. ما ليس محتما هو شكل الاصطدام ومحصلاته. يحصل أن يكون عنيفا يحطم الشاب أو الفتاة، أو أقل عنفا يعطِّله ويعزله، أو احتوائيا يقلبه على نفسه ويدفعه لاستبطان القيود التي فرضت عليه. حيال ذلك، يهاجر من يستطيع. ولا يكاد أحد ممن لا يستطيع تحقيق شيء من تطلعاته أو الحفاظ على معنوياته وإرادة العمل العام.
هذه خبرة متواترة. في مجتمعاتنا، بتفاوتات محدودة، هناك سور صيني عال وغير مرن، يؤثر على حياة الناس جميعا ولا يكاد يتأثر بجهودهم لزحزته أو تعديله أو توسيع هوامش حياتهم فيه. ورغم أن أسوار السلطة هذه أقل دموية في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مما كانت في العقدين الأخيرين الفظيعين من سابقه، إلا أن أساس ذلك هو أن أنها تواجه بتحديات قليلة اليوم. ليس لدينا أسباب وجيهة لتوقع ألا ترد بقسوة مهولة لو واجهتها تحديات مماثلة. لن تفرط بملك طالت إلفتها به، ولم تعد تستطيع أو تتخيل العيش دون عز أدمنته، وازدادت غرورا بفعل دوامه. في الأمر مليارات ومليارات قبل أي شيء آخر. الجنة وأكثر على الأرض.
وإلى "السلطة" كقوة جمود منيعة على التغير، يضاف التشكل المعاصر للدين، الأثر المجمل للتعاليم والتربية والمؤسسات الدينية الإسلامية اليوم. في صيغته الاجتماعية يطور الإسلام المعاصر مواقف محافظة تفصل بين الجنسين، وتثابر على التمييز بينهما (في الميراث وفي تعدد الزوجات..)، كما يرعى وعيا ذاتيا متمحورا بإفراط حول الدين، وانعزاليا تاليا حيال شركاء الوطن غير المشاركين في الدين. وفي صيغته السياسية يتطلع إلى السلطة كلها، وإلى رد الشرعية إلى "الشريعة"، هذا حين لا يطمح إلى أسلمة كلية جديدة لمجتمعاتنا تحت لواء مبدأ "الحاكمية الإلهية". وهو في جميع أحواله محافظ على المستويات القانونية والتعليمية والثقافية.
هنا أيضا تصطدم الجهود التجديدية والإصلاحية بجدار صلب غير مرن، لا يكتفي بعدم التأثر بها، بل هو يُدوِّخ أو يهمش أو يشل المبادرين إليها، من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور وجمال البنا وغيرهم. جهودهم لا تقدر بثمن من حيث أنها تصنع شرعية إسلامية للاختلاف والانشقاق وحرية الاعتقاد والضمير، إلا أنها لما تحدث بعد ثغرة في الجدار الصلب، سياج الدوغما على قول محمد أركون.
هذا فوق أن قوة الجمود الدينية تعزز من جمود وتصلب غريمتها، قوة الجمود السياسية، ما يتسبب في شعور عام بالانسداد، لا ريب أن له "فضل" عميم في انتشار روح التشاؤم والخوف من المستقبل في بلداننا، وكذلك في حلم الهجرة الذي يتملك نصف شبابها على ما أظهر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002. دون أن ننسى أخيرا أن الطائفية نتاج امتزاج الدين مردودا إلى الهوية مع السياسة مجردة من المبدأ الوطني.
وبينما لا نقر بأن الطائفية عامل أولي مستقل في أي من مجتمعاتنا المعاصرة، إلا أن مسار التطورات السياسية فيها وحولها، والسوية الفكرية والسياسية والأخلاقية المتدنية لنخب السلطة والنخب السياسية عموما في العالم العربي، يتجه نحو تعزيز الطوائف وتعزيز احتكار كل منها لولاء المنسوبين إليها. من ليسوا كذلك منا لا يجدون ثمرة لجهودهم ويهمشون. لقد سارت تطورات الوضع اللبناني خلال عقود ليس نحو مزيد من تمركز النظام اللبناني حول الطوائف، بل ومزيد من صلابة هذه مقارنة بأية صيغ انتظام اجتماعي مختلفة عنها. ويبدو أن الأمر مثل ذلك في العراق أو هو متجه في المسار نفسه. والأمر ليس مختلفا كثيرا، حتى في مجال الثقافة العالمة، في بلدان المشرق كلها. في المحصلة تبدو الطائفية قوة جمود إضافية، ترفع الطلب على السلطة الاستبدادية وتحد من فرص الانشقاق والاستقلال الفكري والأخلاقي.
وفوق هذا كله ثمة جدار فولاذي رابع، يتمثل في اليد الطولى الإسرائيلية. هذا ليس محققا في فلسطين وحدها التي تعاني من انكشاف أمني واستراتيجي واقتصادي مهول أمام إسرائيل، بل هو محسوس بكثافة في لبنان وسورية، وكذلك في محيط عربي أوسع على ما شهد التطاول على مواقع في العراق وتونس سابقا، ومؤخرا في دبي. إسرائيل قوة جمود جوهرية في المشرق العربي، لا تكاد تتأثر بجهود العرب الحربية والسلمية بفضل ما تحظى به من غطاء أميركي وغربي استثنائي، نوعا وكما. ولا يبدو أن هناك شيئا مناسبا يفعله العرب حيال الواقعة الإسرائيلية بما يعطل أو يحد من تأثيرها التجميدي أو المقيد لتطورهم واستقلالهم. ولا ريب أن الأصل في ذلك هو أن إسرائيل انبنت على جريمة تحطيم شعب واقتحام لصوصي لمحيط غريب عليها ولا تقبل المساواة معه، فلا سبيل أمامها إلا المضي قدما في حماية ما نالته بمزيد من الجريمة. وفي هذا هناك تماثل بنيوي عميق بين علاقة إسرائيل بمحيطها العربي وبين علاقة نخب السلطة بمحكوميها في بلداننا. يوغل الطرفان في تحصين أنفسهما حيال المحيط (عموم العرب في حالة، وعموم المحكومين في حالة..)، ولا يقبلان منه ما هو أقل من استسلام تام لا يقيدهما في أي شيء مع ذلك. هذا فوق أنهما يطوران عقائد تفوق حضاري وثقافي حيال المحيط الواقع تحت رحمتهما، ونظرة تشاؤمية مفرطة إلى العالم من حولهما.
مطوقة بثلاثة أو أربعة جدران فولاذية كهذه، كيف لمجتمعاتنا ألا تكون مشلولة، وكيف لهذا الشلل ألا يطور التفاعلات الأشد سمية وتدميرا ذاتيا فيها: الفساد والطائفية والتفكك العام وكره الذات والغير والعالم والتشاؤم المنتشر؟ الحلول الممتنعة تفسح المجال لتحلل متنوع الأشكال.
فإن كان لنا أن نتجنب التحلل المميت لا مناص من خرق هذه الجدران الفولاذية. وأولها الجدار السياسي، إلى أن نأتي عليه وعلى أشقائه من أصولها.
الشبان الذين كانوا في عشريناتهم مثل غيرهم في كل مكان، يمسون في بلداننا أدنى قدرة وأقل إنتاجية وأكثر إرهاقا من غيرهم مع التقدم في العمر. ربما يصيرون أكثر "حكمة"، لكنها الحكمة التي تثبِّت خبرات الإخفاق والحصار وتدرجها في مخطط عمومي دهري. نتغلب على الخيبة بأن نستبطنها، بجعلها اسما آخر للحياة.

هل سوريا معرّضة للزوال ما لم يكن حكمها استبدادياً؟

ليس واضحا إن كان الصديق حازم صاغية مؤمّنا على ذلك «الدرس الغني» الذي يُفترَض أن «الأسد الأب» استخلصه من تاريخ سوريا بين أربعينات القرن العشرين وتسلِّمه زمام الحكم عام 1970: «إّما أن تبقى سوريّا في ظلّ استبداد عسكريّ وديكتاتوريّ وإمّا أن تزول هي نفسها». (مقالته «صحيح ..ولكن غير كامل، تعليق على كلام الأسد: لبنان ولاّدة حروب أهلية» موقع «لبنان الآن»، 8 شباط 2010). هذا طرح حدّي ومقلق، يستبعد جوهريا إمكانية بقاء سوريا موحدة ومتماسكة في ظل نظام وطني إصلاحي، كيلا نقول ديمقراطي. وهو إذ يحصر خيارات السوريين بين نظامهم الحالي وبين انهيار بلدهم، فإنه يحكم على تطلّعات طيف متنوع منهم بالإعدام، ويعزز دعوى النظام الذي ما انفكّ يماهي سوريا بذاته، مزاوجا أية احتمالات لزواله بزوال البلد ذاته. هذه الاعتبارات العملية وحدها تكفي للتحفظ عن «الدرس الغني».
لكن هل سوريا معرّضة بالفعل للزوال ما لم يحكمها «استبداد عسكري وديكتاتوري»؟
حازم محق في الإشارة إلى أن «المجتمع والروابط السابقة على الدولة والوطن (طوائف، مناطق، عشائر الخ)» بمثابة «ولادة للحروب الأهلية» (العبارة التي نسبت للرئيس بشار الأسد في حوار أجراه معه سيمور هيرش ونشر مطلع شباط الجاري) «حين لا يقترن وجودها بثقافة تعايش وتسامح وبتحكيم الشرعيّة الدستوريّة في ما بينها». وسخطه مبرّر على تخصيص لبنان وحده بهذه الصفة، فيما هي «لازمت وتلازم العالم ما بعد العثمانيّ برمّته، بما في ذلك سوريّا نفسها». لكن يبدو لي أن التركيز على «ثقافة تعايش وتسامح» وعلى «شرعية دستورية» تتحكم بالعلاقة بين الروابط دون الوطنية يضع بين قوسين الشيء الأساسي، أعني دور نخبة الحكم والنخب السياسية عموما في تطوير سياسات معززة للتماسك الوطني أو مضعفة له. هذا فوق أن الطرح نفسه لا يقول شيئا عن سبل نشوء ثقافة التعايش والتسامح تلك والشرعية الدستورية المأمولة. طبعا لا يمكن قول كل شيء في مقالة من 550 كلمة، لكن إذا أمكن قول شيء عن احتمال زوال سوريا ما لم تحكم باستبداد عسكري ديكتاتوري، فلا ينبغي أن تكون مفرطةً المطالبةُ بما كان من شأنه أن يكسر هذه الحتمية المتصلّبة أو يعدِّلها.
لا نركِّز على دور السياسة والفاعلين السياسيين من باب التحفظ على منح دور للثقافة نرى أنه مبالغ فيه فقط، وإنما كذلك للقول إنه ليس ثمة مجتمعات تتماسك من تلقاء ذاتها، أو بفضل خصوصية ما في ثقافتها. المجتمعات التي تخسر الدور المنظم والدامج والموحد للدولة ونخبة الحكم معرضة للتفكك والانقسام على نفسها. هذا صحيح في أميركا وفي أوروبا بدرجة لا تقل عن صحته لدينا. وهو لا يقتضي إنكار دور الثقافة والنظم القانونية، لكنه لا يُقرُّ لها بما يزيد على دور مكمِّل وتثبيتي.
مثل لبنان، سوريا تخسر قدرا كبيرا من دور المركز السياسي والنخبة السياسية في تشكل الأمة والدولة فيها. كتبتُ قبل أشهر مقالا بدا لي فيه أن سوريا ولبنان حلان فاشلان على حدٍّ سواء لمسألة بناء الأمة، وأن نموذج أي منهما ليس بديلا صالحا عن الآخر. في لبنان ينتقل منطق التعدد والتنوع الخاص بالمجتمع الأهلي إلى مقر السيادة الوطنية الواحد الموحد الذي هو الدولة دون تعديل تقريبا (ما يثبّت الأهليَّ ويجعله «طبيعة» لبنانية لا تزول بغير زوال لبنان ذاته). أما في سوريا فينقل منطق السيادة الواحد حتى إلى المجتمع المدني المفترض (ما يمنع تشكّله، وما يقف عند حدود البنى الأهلية كافلا تطبيعها، بل تجديدها). وبينما يضمن ذلك «استقرارا واستمرارا» سياسيين وأمنيين، فإنه يُجرِّد الجمهور السوري العام من حرياته ومن قدرته على الانتظام والمبادرة المستقلين. بالمقابل يضمن النظام اللبناني درجة عالية من الحريات العامة، لكنه مشتهر بتدني استقراره وبحساسيته المفرطة حيال «الخارج». ويتوحّد النظامان بهشاشة داخليهما أو بتدني مستوى تبنْيُنِهما الداخلي. في سوريا لأن الداخل مغلق وممنوع من التفاعل مع العالم حوله والتمرس بتحدياته وصعابه، وفي لبنان بفعل فرط انفتاحه والتدفق الواسع وغير المنضبط للخارج عليه. الثقافة السياسية التي تسيِّس السيادة الوطنية ذاتها، فلا ترى إلا بعدها الداخلي مرة والخارجي مرة، ليست أرفع شأنا من تلك التي تنظر إلى البلد المحكوم كقلعة محاصرة يتهددها عالم عدواني جوهريا. والثقافة السياسية الكارهة للبنان سقيمة جدا، لأنها في الغالب تكره أفضل ما فيه: حريات سكانه وتنوعه الاجتماعي وحيويته الثقافية. لكن هناك بالفعل ما هو كريه ومتعفِّن في لبنان: نظام سياسي يحرس انعزال اللبنانيين عن بعضهم ولا يكاد يعترف بهم إلا منسوبين إلى طوائفهم، ولا يكف عن تشويه فضائل لبنان الكبيرة ذاتها. والقول إن «قوة لبنان في ضعفه»، ومن المؤسف أن مثقفا شجاعا لا يتهيب الخرافات السياسية الكريمة كحازم صاغية صادق على هذا الشعار في أحد نصوص كتابه الأخير («نانسي ليست كارل ماركس»)، لا يَفْضُل في شيء رد قوة سوريا إلى عضلات أجهزتها الأمنية. ومن جهتي، لا أرى كيف يستقيم تطويب ضعف لبنان قوةً مع مبدأ سيادة الدولة، بل مع مفهوم الدولة ذاته.
هذا كله ليس للقول إن سوريا لن تواجه مشكلات كبيرة ربما تمس وحدتها الوطنية وتماسك مجتمعها فيما لو ارتخت القبضة المستبدة الممسكة بها. ما من شيء يستند إليه المرء لنفي هذا الاحتمال في الظروف الحاضرة للأسف. لكن يبدو لنا أن هذه الاحتمال أوثق صلة بتكوين تلك القبضة ذاتها منها بارتخائها المحتمل. التوكّل الحصري على أدوات استبدادية في الإمساك بالبلد هو جذر وضعية المجتمع الممسوك الفاقد لتماسكه الذاتي والذي «يفرط» أو يتبعثر إن لم «تضبّه» من خارجه يد الاستبداد. أريد القول إن «الاستبداد العسكريّ والديكتاتوريّ» و«زوال سوريا نفسها» ليسا خيارين متنافيين، بل هما وجهان لبنية سياسية واحدة، لا تتيح للسوريين تطوير انتظامات مستقلة أو التدرب على «التعايش والتسامح».
كانت سوريا بلدا ضعيف الاستقرار السياسي حقا بين استقلالها وعام 1970 على ما أظهر حازم بيسر، لكن بعد 40 عاما من الاستقرار يُغرى المرء بالتساؤل عما إذا لم يكن الاستقرار السياسي إيديولوجية تناسب «المستقرين» في الحكم وتشكل «إفرازا طبيعيا» لهياكل سلطتهم وعقيدة للفئات الاجتماعية المنتفعة منها. لا يكتسب «الاستقرار السياسي» (و»الأمني»، حسب لازمة سوريا «مستقرة») قيمة رفيعة إلا إذا كان البديل الحتمي الوحيد عنه هو الحرب الأهلية. والحال إن هذه الحتمية هي بالضبط لسان حال إيديولوجية الاستقرار السوريا. وهو ما تساهل حازم في الإحالة عليه دون أن يوضح إن كان موافقا على هذه الحتمية، أو يعتني بإظهار أنها واقعة مصنوعة سياسيا وليست طبعا سوريا قارا.
إن وضعنا جانبا هذه الجبرية المصنوعة التي تحب أن تحتجب خلف حتميات ثقافية (الاستبداد نتاج الثقافة العربية أو الدين الإسلامي) أو اقتصادية (الخبز قبل الحريات) أو جيوسياسية (نحن في حالة حرب)، فهل ثمة ما يحول جوهريا دون صوغ سياسة وطنية إصلاحية، تُرقّي التفاهم الوطني وتوسِّع دائرة الحريات العامة وتعمل على تطوير تمرينات تعايش وتسامح عامة، وتتجه في المحصلة نحو «شرعية دستورية» تنحكم بالصراعات الاجتماعية والسياسية المحتملة؟ وهل إن ما يُرجَّح وقوعه من صراعات سياسية واجتماعية، قد تكون واسعة النطاق إذا تداعت الهياكل السياسية الراهنة، يعني زوال سوريا وامتناع بناء وطني جديد لها؟ لا يسعنا التنبؤ بالمستقبل. نحاول فقط التشكيك في حتمية قيامية بدا حازم متقبِّلا لها ولنتائجها العملية الخطيرة دون مسوغات مقنعة. نحاول أيضا إفساح مساحة للفاعلة البشرية الصاحية ضدا على بنى سياسية تثابر على إلغائها، وعلى حتميات متشائمة يُسلِس مثقفون سوريون قبل غيرهم قياد تفكيرهم لها هذه الأيام.
في النهاية، لا يحتمل أن تكون سوريا معرضة للزوال بزوال «الاستبداد العسكري والدكتاتوري» إلا بقدر ما إن لبنان مهدد بالزوال إن تغير نظامه الطائفي الحالي. سوريا لا تستنفد في نظامها، رغم اجتهاد هذا من أجل تفصيلها على قياسه. وأفترض أن لبنان فائض على نظامه أيضا. لذلك يمكن لشكليهما السياسيين أن يزولا دون أن يزول البلدان. بل لعل فرص نهوض البلدين وتطورهما مرهونة بزوال هذين الشكلين، وإن كان مرجحا أن يتسبب لهما ذلك بمشكلات عسيرة لبعض الوقت.
ويقيني أننا، حازم وأنا، شريكان في التطلع إلى تغير شكلي بلدينا، بقدر ما نتوجس مما قد يترتب على ذلك من مشكلات ومخاطر.

مقالة حازم الأصلية
http://almustaqbal.com/nawafez.aspx?StoryID=395692
رد حازم على مقالي
http://almustaqbal.com/nawafez.aspx?StoryID=395693

الظاهرة الإسلامية.. صحوة أم رِدَّة، أم ربما فرصة؟

الظاهرة التي ينعاها بعضنا تحت اسم "الردة الدينية"، ويحتفي بها آخرون تحت اسم "الصحوة الإسلامية" تحتاج اليوم إلى نظرة مختلفة وتقييم مغاير. واضح أنها ليست عارضا تاريخيا عابرا يزول تلقائيا أو بمساعدة القمع. وهي بالمثل ليست "الحل" أو حامل الاستقرار السياسي والنفسي إلى مجتمعاتنا. الواقع أن تحقّقاتها في إيران والسودان وأفغانستان ليست مما يغري بالاقتداء. وأن تنظيماتها المنتشرة في جميع بلدان العالم الإسلامي ليست تلك القوى التحررية الواعدة بالمساواة والعدالة، وأن كبار الناطقين باسمها أو المباركين لها يجمعون بين الغرور المفرط وضآلة الإحاطة بكل ما هو خارج مجالهم. ومع ذلك فإن الظاهرة الإسلامية موجودة وقوية، ويشكل التعبير السياسي المركزي عنها (تنويعات الإخوان المسلمين) القطب الثاني في معظم بلداننا بعد السلطات الحاكمة. وهي بعد ظاهرة مركبة، طيفها واسع، لا تلتئم حول "الإسلام السياسي" ولا ترتد إليه، خلافا لما يفضل الاعتقاد الإسلاميون السياسيون أنفسهم، ولما يهول به أعداء سياسيون وإيديولوجيون لهم. وللظاهرة الإسلامية بعد تاريخ، تتمايز فيه أطوار مختلفة، يبرز فيها العمل العنفي مرة، والسياسي مرة، والاجتماعي الدعوي مرة ثالثة. والخصومات والصراعات داخلها شائعة لا يخفق في رؤيتها إلا من يصدر عن "ذهنية تحريم" حيال تشكلات الظاهرة الإسلامية جميعا.
لا تتوحد المقاربتان، "الرِّدَّوية" و"الصَحَوية"، في انفعالهما المبتئس مرة والمبتهج مرة فقط، ولا في إحكامهما المعيارية القاطعة المضمنة في اسميهما بالذات، وإنما كذلك في لا تاريخيتهما. تفتعل الأولى مفارقة باسم العصر أو الحداثة: كيف يظهر إسلاميون يريدون "تطبيق الشريعة".. في القرن العشرين أو الحادي والعشرين؟ كأننا من صناع العصر، نشارك غيرنا حداثة ناجزة، ونسهم في حفز دينامياتها وتطوير تنظيماتها. ويفتعل الإسلاميون مفارقة باسم الهوية: كيف تنهض أمة تخلت عن شريعتها أو دينها..؟ كما لو أننا مجتمعات متماثلة مع ذاتها طوال ثلاثة عشر قرنا، مبدأ تماثلها هو "الإسلام"، الذي حصل أن تخلت عنه سهوا أو طيشا قبل قرن أو قرن ونصف.
غير أن أبرز أوجه اللاتاريخية المشتركة بين "الصحويين" و"الرِّدَّويين" أن كلا منهما تنظر إلى مذاهب الأخرى وتشكلاتها الفكرية والسياسية كواقعة عابرة تاريخيا، ظهرت في غفلة من الزمن، وسوف تتلاشي حين تزول الغفلة التي لا يكف المتكلمون باسم كل واحدة منهما عن التنبيه إلى المخاطر المهولة إن دامت وقتا أطول. وبينما تدومان معا، لا يبدو أن دوامهما يهز اقتناعا مشتركا أن هذه أو تلك فاصل تاريخي زائل.
ويكمل الانفعال واللاتاريخية نظرة جوهرانية إلى كل من الإسلام والحداثة (التي يستند إليها في الحكم بالردة على الظاهرة الإسلامية) تقرر تخارجا تاما بينهما وتنافيا تاما لهما. الإسلام طاهر مطهر من الحداثة التي هي بمثل طهره منه. خارج التفكير أن الحداثة (والعلمنة) تتقدمان عبر "الإسلام" ذاته، وأن الظاهرة الإسلامية في أوجهها الفكرية والسياسية متشكلة وفقا للحداثة. فليست عقيدة الحاكمية الإلهية، مثلا، غير صيغة مؤسلمة عن الدولة الشمولية في القرن العشرين، وقد كان أبو الأعلى المودودي معجبا بها، وسيد قطب خصما لدودا ثم ضحية لتنويعتها المصرية. ولم يجد الشيخ القرضاوي ما يسوغ به شمولية الإسلام غير ما بدا له من شمولية الإيديولوجيات القومية والاشتراكية الحديثة. يسهل تكثير الأمثلة، لكن خلاصتها تتوحد في أن "الإسلام" اسم لإجابات على أسئلة تطرحها الحداثة (الديمقراطية، الاشتراكية، العلمانية، الاقتصاد الإنتاجي، حقوق الإنسان..). ولا يعدو الإسلام أن يكون مرجعية لغوية رمزية لإجابات على أسئلة لم يطرحها. الأصل في ذلك إرادة الإسلاميين تشميل الإسلام كل شيء. لكنهم بهذا يفقدونه اتساقه الذاتي. كانت استراتيجية أجدى بكثير لو عملوا على إعادة هيكلة الإسلام عبر التمييز بينما هو جوهري فيه وثابت وبين الثانوي والمتغير الذي يتعين أن يعاد بنائه حول هذا الثابت. كان من شأن ذلك أن يتيح لهم استلام زمام المبادرة ومساءلة الحداثة، بدل تشميل شكلي لا يكاد يخفي احتكار الحداثة وحدها للمبادرة والسؤال.
لا معنى للقول، تاليا، إن الإسلاميين يرجعون بمجتمعاتنا 1400 عاما إلى الوراء. لا يرجعون يوما واحدا. الأمر لا يتعلق برجعة أو ردة، بل بتفاعل متعثر أو ارتكاسي، لكنه تاريخي ومعاصر جدا.
والخلاصة أن "الإسلام" ليس موجودا خارج الحداثة والعلمنة. إنه اسم لمركب علاقات وعمليات اجتماعية تاريخية، أبرزها ظاهرة الصحوة – الردة الإسلامية المعاصرة، وليس جوهرا مماثلا لذاته. وهو لا يوجد إلا بمحصلة تلك العلاقات والعمليات التي قد تسمى الأسلمة. "الإسلام" نتاج الإسلمة النوعي والقناع الذي تحتجب خلفه، خلافا لما يفصل أن يرى الأمر الصحويون والردويون على حد سواء، ممن يشتقون الأسلمة من إسلام ثابت مصمت لا يشبه غير نفسه.
وأول ما يترتب على ذلك أن العلاقة بين الحداثة (ومنها العلمنة) والأسلمة ليست محكومة بمحصلة صفرية، وأنه يرجح لمزيد من الانخراط في الحداثة أن يغذي مزيدا من الأسلمة، وكذلك مزيدا من الصراع مع الأسلمة ومحاولات ضبطها وإصلاحها. هذه عملية مفتوحة، فرصنا أكبر في التأثير على محصلاتها باتجاه يثمر حلولا متسقة لمشكلاتنا السياسية والنفسية والأخلاقية بقدر ما ننخرط فيها ونضع أنفسنا على مستواها، لا فوقها ولا خارجها.
بهذا المعنى يتعين النظر إلى الظاهرة الإسلامية المعاصرة وإلى الصراع معها كفرصة كبرى لا يوفرها شيء آخر من أجل توليد ثقافة أغنى وأكثر تحررا وتفكير أكثر جذرية من جهة، ولتأهيل بنى سياسية وصيغ للدولة أكثر ديمقراطية وعدالة من جهةأخرى. أو ربما نقول هي تحد إيجابي يتعين أن نستجيب له وننهض به. وأن يطرق هذا التحدي بابنا حظ طيب، وليس بلاء نرتعب منه.
يحول دون تبيّن ذلك مدرك الردة الدينية ذاته. فهو يضمر حتما تاريخيا بزوالها لكونها مناقضة لـ"منطق التاريخ"؛ وما فيه من حكم تبخيسي، بل تحريمي، يضمر أيضا تزكية لاستئصالها العنيف على نحو ما استؤصلت "الردة" التالية لوفاة نبي الإسلام؛ وهو ينطوي أخيرا على نظرة تقديسية للحداثة، تقترن مثيلاتها دوما برفع شأن الأفكار والعناوين المجردة والتقليل من شأن البشر الملموسين ومطالبهم وتطلعاتهم.
وفي حين أن للفصل بين الدين والثقافة على هذا النحو المصفّح أحيانا ببطانات انفعالية سميكة ضلع في تعثر أو إخفاق صيغ التفاعل القائمة اليوم بين "الإسلام" و"الحداثة"، نميل إلى تزكية اشتغال أكبر للثقافة بالدين واشتباك أوسع معه سبيلا إلى تفاعلات أكثر إيجابية. لا نرى كيف تتولد الثقافة العلمانية بينما تنكص الثقافة أمام الدين وتتوجس من التعامل معه.

الإصلاح الإسلامي وإيديولوجية الإصلاح الديني

برزت فكرة الإصلاح الإسلامي مجددا في السنوات الأخيرة كجزء من الاهتمام الواسع بالمسألة الإسلامية. ولقد أعطت ديناميات ما بعد 11 أيلول السياسية والثقافية والإعلامية دفعا لهذا الاهتمام، لكن ليس من الإنصاف في شيء رد الاهتمام ذاته إلى الحدث. وكنت أحد المهتمين "العلمانيين" بهذا الشأن، الأمر الذي بدا مستهجنا في نظر علمانيين آخرين، وجدوا فيه مسوغا للتشكك في استحقاقي لصفة العلمانية أو مسلكا يبيح تلميحات إلى ما هو أسوأ. وأكثر مما يتعلق الأمر بي، فإن مقاربات الشأن الديني في سورية، وربما في كل مكان من العالم العربي، تتصف عموما بعنف سجالي وحدة انفعالية، قلما تتيحان تنظيم التفكير في هذا الشأن، دع عنك قول جديد مختلف.
ومن باب تنظيم التفكير قد يمكن التمييز هنا بين صيغتين ممكنتين للتفكير في الإصلاح الإسلامي: صيغة تتصوره كاستجابة محتملة للمشكلات السياسية والفكرية والقانونية والأخلاقية التي يطرحها وضع الإسلام في العالم المعاصر؛ وصيغة أخرى حتموية، تجعل الإصلاح الإسلامي مرحلة حتمية وشرطا لا مناص منه من اجل أي تقدم سياسي وثقافي يتحقق للمسلمين المعاصرين.
الإصلاح الإسلامي مطلوب، فيما نرى، لأن من شأنه أن يحقق انفصالا محررا عن صيغ للدين والتدين الإسلامي قبل حداثية بلا جدال (غير متمركزة حول الإنسان). ولما كان الدين مؤسسة كبرى من مؤسسات التأهيل الاجتماعي الواسع النطاق، فإن من شأن تشكل الإسلام في صيغة تركز على الإيمان الشخصي وتفصل الإسلام- الدين عن الإسلام- النظام أن تمثل قفزة ثقافية واجتماعية واسعة تكون، في الوقت ذاته، ركيزة راسخة لتطلعات الحرية السياسية. هذا فضلا عن أن من شأن فكرة الإصلاح الإسلامي أن تمنح معنى تاريخيا لمختلف الاختلاجات السياسة والوجدانية والفكرية التي تعتري عالم المسلمين المعاصرين والإسلام نفسه.
بيد أن هذا كله يجعل الإصلاح الإسلامي أمرا مرغوبا، وليس بالضرورة شرطا حتميا لكل تقدم يحتمل أن يتحقق لنا، على ما تقرر ما نسميها إيديولوجية الإصلاح الديني لدينا. لا تحول هذه مسار التاريخ الأوربي الغربي إلى نموج معياري لكل تقدم تاريخي محتمل فقط، وإنما هي تنسب إلى المسار ذاك سمة حتمية سرّبتها إليه عقائد التقدم والتاريخانية في عصر الأنوار والقرن التاسع عشر. وبينما قد يمكن التساؤل عن أسباب أدلجة الإصلاح الديني على هذه الصورة الحتموية (مقتضيات التعبئة، ودواعي السياسة عموما، ليست بعيدة عنها)، فإن الأدلجة هذه تضعف قضية الإصلاح الإسلامي من حيث يفترض أنها تريد تعزيزها. هذا لأنها تفصلها عن أية مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية أخرى، فتجعل فهم الشأن الديني ذاته متعذرا، ومن باب أولى إصلاحه المأمول. وكذلك لأنها تخضعها لأجندة إيديولوجية أو سياسية ضيقة من النوع الذي تمارسه حكومات قائمة، ومن صنف ما يقوم به الإسلاميون أنفسهم. هذا فوق أنها تفصل قضية الإصلاح عن ذاتها وتذيبها في مخطط تاريخي عمومي، مجرد وغير نوعي، لا يكاد يقول عن الدين ومشكلاته العينية شيئا.
أوجه شتى للتقدم ممكنة دون إصلاح ديني، لكننا نرجح لتقدم يتحقق على أرضية إصلاح إسلامي أن يكون أصلب أسسا. الإصلاح يؤسس لاتساق أعلى في ثقافتنا وتفكيرنا وانفتاحا أوسع لآفاقنا التاريخية. بهذا المعنى الإصلاح التزام يقع على عاتقنا، ويستحسن أن ننهض به. فإذا نسبنا الالتزام هذا إلى ضرب من الميتافيزيقا التاريخية، أو "قوانين التاريخ"، انسقنا إلى جعله حتما متعاليا شارطا لأي تقدم قد يتحقق لنا. ويحصل أن تشتق من هذه الحتم سياسة عمل مباشر لا تكتفي بالتشكك في أي جهد يبذل في مجالات أخرى غير الديني والثقافي، بل وترى من واجبها أن تناضل ضد كل من لا يقول قولها.

ومن باب تنظيم التفكير أيضا قد يمكن التمييز بين صورتين للإصلاح الإسلامي تحيلان إلى تصورين للإسلام ذاته.
في صورة أولى يستهدف الإصلاح موقع الإسلام في النظام العام بصرف النظر عن مضامين التعاليم الإسلامية. المقصود هنا فصل دين الإسلام عن النظام الإسلامي، هذا الذي يجعل منه "دينا ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خلق وقوة" على قولٍ للشيخ يوسف القرضاوي (في كتابه "الدين والسياسية") يستبطن التشكل الامبراطوري للإسلام في قرونه الأولى، وينسج على منوال مستقر في كتابات زعماء الإسلاميين. صورة الإصلاح الأولى هذه موجهة نحو فصل الإسلام عن "السيادة"، أي العنف والولاية العامة. ورغم أن قليلا من بلداننا تعيش في ظل النظام الإسلامي إلا أن شبحه حي يسعى فيها جميعا، ولم تطو صفحته ثقافيا وتاريخيا في أي منها.
وفي صورة أخرى يستهدف الإصلاح الإسلامي إعادة هيكلة مضامين الاعتقاد الإسلامي وإعادة ترتيبها بصورة تتوافق مع حرية الاعتقاد واستقلال الضمير. هذا ليس شرطا إيديولوجيا يفرض من خارج على الدين الإسلامي، بل هو مقتضى منطقي لمفهوم الإيمان الديني ذاته.
وهذا التمييز بين إصلاح موقع الإسلام أو ما نسميه "الإصلاح الخارجي"، وإصلاح بنية الاعتقاد الإسلامي (أو "الإصلاح الداخلي") ليس متعسفا أو مقحما على المجمل الإسلامي من خارجه. ففوق أنه (التمييز) يستجيب لعدم تطابق الأمة السياسية مع الأمة الخلاصية أو الدينية في بلداننا المعاصرة، فلطالما صدرت ممارسة عموم المسلمين الدينية طوال معظم تاريخهم عن افتراضه. بالعكس، إن بناء النظام الإسلامي، وجعل الإسلام إيديولوجية شمولية كما يقول القرضاوي نفسه مستحسنا، هو نتاج "اجتهاد" مثقفين إسلاميين معاصرين.
وفي حين أن الإصلاح الخارجي شأن مشترك بين علمانيين وإسلاميين لكون موضوعه هو النظام الإسلامي الموصول بالدولة الحديثة أو المتطلع إلى "وصالها" واستتباعها، فإن الإصلاح الداخلي يقع على عاتق مسلمين مؤمنين بصورة حصرية، لأن الأمر يتعلق هنا بإعادة تشكيل التعاليم الإسلامية على أرضية القيم الإسلامية ومفهوم إسلامي للصلاح.
والواقع أن مفهوم الإصلاح الإسلامي إشكالي بالضبط بسبب ازدواج لا مفر منه لمعيار الصلاح الذي يحكم مفهومه. لا مجال للتوسع في هذه النقطة المهمة هنا. لكنها وجه واحد من وجوه التفكير في المسألة الإسلامية الحاضرة منذ عقود بصورة صاخبة أو أشد صخبا. في تناول مستقل سنحاول القول إن في هذه الحضور تحديا ثقافيا وفكريا ثمينا، يتعين عدم إهداره بحرتقات صغيرة.

"العدل... ولو انهار العالم" حوار أجراه فتحي أبو النصر لمجلة "انزياحات" اليمنية

أولاً:
دعني افترض أن التاريخ قد برهن لك يوماً عكس ما ذهبت إليه من رؤى وتصورات وأفكار خلال مشوارك المعرفي، فيما أريدك أن تتحدث عن ذلك ببراءة إن حدث؟
• والله لا أعرف. "مشواري المعرفي" لا يزال قصيرا نسبيا، ولم يتشكل (وآمل ألا يتشكل) في "مشروع" أو"مذهب" بحيث يواجهه "التاريخ" يوما بعكس ما يتضمنه من "رؤى وتصورات وأفكار". ربما المذاهب الناجزة هي التي تواجه بانقلابات درامية كالتي يتصورها سؤالك.
لكن على مستوى أقل درامية لا يكف الواقع عن معاكسة تصوراتنا وأفكارنا، وأظنني آخذ علما بذلك وأحاول تطوير أفكاري ومواقفي، متخليا عن شيئ ومنفتحا على شيء وعاملا على إدماج أبعاد جديدة للواقع فيما أكتب.
فإن كان لافتراضك أن يتحقق يوما وبالصورة التي تكلمت عليها رغم كل شيء، آمل أن تواتيني الشجاعة للتوقف عن الكتابة نهائيا.
ثانياً:
1-هل فقدت الثقافة العربية القدرة على الاستبصار؟
• تعني تقدير العواقب؟ توقع الآتي؟ التوجه السديد في الواقع؟
الثقافة العربية ثقافة قوم لا يتحكمون بشروط حياتهم. بالعكس، هذه تتحكم بهم وتجرفهم، وتضعهم في موقع المنفعلين. والسمة الجوهرية لشروطنا المعاصرة في تقديري هي انقطاع تأثير الثقافة على شروط حياتنا. فمهما تكن سوية ثقافتنا فإنها معاقة عن ممارسة أثر فاعل على أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ومصدر الإعاقة المباشرة سياسي. يتمثل أساسا في سلطات متدنية المستوى الفكري والسياسي والأخلاقي لكنها مسيطرة وحصينة، وتجد في الثقافة فضولا زائدا أو مساءلة غير مقبولة لها. لكن من ناحية أخرى إبداعية ثقافتنا المعاصرة متواضعة فعلا. للأمر علاقة بكل من وضع المدينة العربية ووضع الطبقة الوسطى المتعلمة ومستوى الحريات العامة في بلادنا. وكذلك مفعول التقاء انقطاعنا عن التراكم القديم في ثقافتنا الكلاسيكية، مع ضعف التراكم الإبداعي في ثقافتنا الحديثة. وكذلك ذهنية الاكتفاء الإسلامي (أغنانا الله بالإسلام عن كل شيء آخر..). وأخيرا ايضا اللغة العربية التي يبدو لي أنها في وضعها الحالي لا تتيح انفتاحا واسعا على المحسوس والخبرة والتجارب الشخصية.
في المحصلة تفقد ثقافتنا القدرة على تزويد العرب بعالم مختلف. نحتاج إلى صنع عالم كي نعلمه وكي نقدر على "الاستبصار" فيه.
2- متى سينتج العقل العربي المعرفة كما ينبغي؟
• حين يواجه أغلاله بشجاعة. الغل الديني والغل السياسي تحديدا. لا يزال الدين، الإسلام، هو إطار المعنى الأساسي في ثقافتنا. ويخيل لي انه لا يتشكل إطار جديد ومتجدد للمعنى دون اشتباك متعددة الجبهات، فكري ونفسي وسياسي واجتماعي وأخلاقي، مع الدين. لعلنا في حاجة على هذا المستوى إلى ضرب من القطيعة أو الانفصال المحرِّر، الذي من شأنه أن يعيد كسب الدين ذاته كثقافة وروح إنسانية. هذا أساسي. و"النهضة" هي المحصلة المأمولة لهذا الاشتباك.
على مدى أقصر وأقرب وأكثر إلحاحا يلزم أن نواجه أغلالنا السياسية باسم العدل والحرية. أوضاعنا الراهنة بشعة لأنها جائرة جدا وتعسفية جدا. وأسلم أن من شأن قدر اكبر من العدالة ومن الحرية أن يسهلا تحدي "العقل العربي" لأغلاله الدينية.
وذو أهمية حاسمة الآن وفي كل وقت تنويع المرجعيات الثقافية المحتملة لتفكيرنا وعدم الانحصار في مرجعية واحدة. كلما كان اطلاعنا أوسع على الثقافة الغربية الحديثة كان ذلك لمصلحة ترقي ثقافتنا وقدرتنا على إنتاج المعارف. لكن مهم أيضا أن نتعرف على ثقافات أخرى. الغرب ليس العالم. وأفترض أنه يمكن للصين والهند، لروسيا والبرازيل، لتركيا ولإيران ولأفريقيا... أن تعلمنا أشياء عظيمة.
3- بالتحديد ما هي الرؤية الفكرية التي لم يحسمها بعد ياسين الحاج صالح؟
• لا أعرف أن كنت حسمت شيئا. هناك قضايا كبيرة يتعين أن تناقش وتوضح وتعالج: الدين، الدولة، العالم المعاصر ومركزه الغربي. هذه القضايا اهتمت بها إيديولوجياتنا الكبرى المعاصرة: القومية والديمقراطية والعلمانية، التي يمكن أن تكون منطلقات لمعارف أكثر انضباطا أو مواضيع لعلوم إنسانية مهمة: علوم الدين بما فيها فلسفة الدين وعلم الاجتماع الديني وتاريخ الدين... وعلوم الدولة التاريخية والاجتماعية والفلسفية والقانونية ايضا، وعلم العالم المعاصر والعلاقات الدولية وما إليها.
لكن بالفعل هناك قضية تؤرقني حاليا: هل إن أحوالنا المعاصرة تتغير كما تتغير أحوال غيرنا، عبر دمقرطة نظم الحكم واتساع مجال المشاركة السياسية والحريات العامة..، أم أن هناك بعدا تأسيسيا ضروريا، يطال الثقافة والدين واللغة، ويضاف إلى البعد السياسي من أجل إقلاع عملية التغيير؟ أشعر بالحاجة إلى شيء على المستوى الثقافي، شيء يتصل بالدين بخاصة، من أجل أن يقوم التغير السياسي على أسس صلبة. في الوقت نفسه أنا ناقد للثقافوية التي تفسر أوضاعنا المعاصرة بحال الثقافة، والدين بخاصة، وترهن تغيرها بتغير ثقافي ديني.
هذه إن شئت "رؤية فكرية" غير محسومة عندي.
ما أنا ميال إلى "حسمه" هو أن العلاقة بين تقدمنا والدمقرطة المأمولة وبين العمل الثقافي التأسيسي ليست حتمية. يمكن أن نتقدم دون إصلاح ديني أو نهضة ثقافية، لكن ترتيب أوضاع الدين ونهوض الثقافة يجعلان تقدمنا أكثر صلابة وأكثر إبداعية و"أناقة". فضلا عن أنهما مرغوبان بحد ذاتهما وبصرف النظر عن انعكاساتهما المحتملة على تقدمنا العام، الاجتماعي والسياسي.
4-التخلف المادي والذهني الذي جعلنا نصنم السائد في الأدب والفكر والفن .. إلى ماذا تعزي أسبابه الرئيسية؟
• هل "نصنم السائد في الأدب والفكر والفن"؟ وما هو هذا السائد؟ أخشى أنه ليس لدينا سائد في هذه المجالات. وما لدينا من سائد هو من طبيعة دينية اعتقادية، متشكك حيال الثقافة والإبداع، ومضيق لقاعدتهما البشرية. إن كان لنا أن ننتج أدبا وفكرا وفنا فالأمر يمر في تقديري عبر الاشتباك مع النظرة الدينية للعالم. أقول هذا وأنا لست ممن يعادون الدين أو يكنون انفعالا موتورا ضده. جوهر الأمر أن مثال السيادة والعبدية (أو العبودية) في ثقافتنا هو المثال الديني، فلا سبيل لتكون تصورات جديدة للسيادة والتبعية دون منازعة هذا المثال أو الصراع معه. وفي الجوهر أيضا أن مثال الإبداع هو الخلق الإلهي، فهل يتكون تصور جديد للإبداع دون اشتباك مع هذا المثال؟
سألاحظ أنه خارج هذا "السائد"، هناك منطق السوق يتحكم أكثر بالنتاج الثقافي العربي، الفني خصوصا، لكن الأدبي والفكري كذلك. وقلما يقاومه المثقفون أو يطرحون على أنفسهم مهمة مقاومته. أما الحكومات فيبدو أنها ترتاح إليه، ولعلها تعتبره إلهاء ضروريا للعامة الذين تحتقرهم وتخشى تمرداتهم وعنفهم.
5-على ماذا يراهن المثقف الحقيقي اليوم ومسؤوليته قد دخلت في طور الالتباس حتى صارت عبئاً عليه في كثير أحيان؟
• ربما على النقد. وعلى تحطيم الأصنام، بما فيها صنم "المثقف الحقيقي". وعلى الصبر والتهكم. وعلى ما أسميه "اليأس البنّاء"، أعني فصل الثقافة عن المنفعة و"الحل"، وعدم توقع ثمرات عاجلة للعمل الثقافي.
6-هل تبقى شيء من المثاليات في ظل الانهدامات المريعة التي جرت داخل الوعي العربي في مختلف مراحله؟
• دعنا نميز بين مثاليات السلوك العملي المرغوبة أو حتى الواجبة دوما، وبين مثاليات التفكير سواء تفسير العالم بالأفكار أو رسم مشاريع خيالية في الذهن وإرادة تطبيقها في الواقع. ورأيي أننا، أعني المثقفين الذين أظن أن سؤالك يحيل إليهم، أقل مثالية مما ينبغي على المستوى الأول. كثيرون منا، وربما أكثرنا، لا يقولون لا لمال مغر أو لسلطة قادرة أو لهوية موروثة. يدعون إلى كل ما هو قيّم في العالم، لكن صدقيتهم محدودة. في بالي وأنا أقول ذلك بعض أشهر المثقفين السوريين. وقد يكون هذا الضعف غير المشرف هو مبعث المثالية بالمعنى الثاني. يعتصم مثقفون بمجردات ومثل عليا برانية (من وجهة نظر العمل الاجتماعي في بلدانهم) لأنهم في واقع الحال راكنون إلى ما هو واقع، وإلى أسوأ وجوه ما هو واقع. ربما يبحثون عن شيء من توازن في ذلك. وربما يكون الاعتصام بمثل برانية وسيلتهم لاتهام الواقع بالجمود، بدل مراجعة منظوراتهم الذاتية وقيمهم المجردة.
إن كان هذا حال المثقفين فمن غير المحتمل أن يكون حال الوعي العربي مبرأ من "الانهدامات المريعة". نحن في رأيي فاقدون اليوم لمثل جاذبة، مثل شخصية أو "قدوات حسنة"، ومثل مجردة أو أفكار منشطة وطوباويات ملهمة، لكن مرتبطة بتطلعات العدل والحرية عندنا وبصراعاتنا الفعلية.
7-كيف يمكن للوعي العربي أن يقاوم شرور الانحطاط المتدافعة عليه جراء أفكاره المرسخة؟
• مرة أخرى بأن يقاوم أغلاله. لن ينقذ وعينا شرفه دون أن يحطم أغلاله أو "أفكاره المرسخة". أيضا بأن يدافع عن العدل بأي ثمن، ولو مقابل التضحية بـ"الاستقرار" أو "الوحدة الوطنية"، لو بثمن "الفتنة". شعاري الشخصي: العدل ولو انهار العالم! وأرى أن ثقافتنا ستكون أكثر تعافيا بقدر ما تعلي من قيمة العدل على الاستقرار والوحدة والصمود وما إليها.
8-ما الذي جعل الثقافة هامشية أو مهمشة .. ثقافة الإبداع والتنوير .. لا ثقافة الرداءة والعتمة .. الثقافة الفريدة التي ضد الاستلاب، والمتصالحة مع تسارع الأفكار ..لا الثقافة بمفهومها الديماغوجي المستهلك؟
• في الأساس ربما نوعية القيم المهيمنة في مجتمعاتنا المعاصرة. قيم السلطة والمال والقرابة والتدين. مقابلها تندحر قيم العمل والعلم والكفاءة والتفكير النقدي. ثقافة الإبداع تنتمي إلى عالم القيم الأخيرة.
وتقديري أن لاستقرار نظم الحكم في البلدان العربية طوال عقود دورا هائلا في التخريب السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي. هذه النظم لا تؤمن بشيء ولا حرمة لديها لغير دوام حكمها.هذا يجعل محكوميها مصدر الخطر الأول. ولطول استقرارها في الحكم فقد نما لديها غرور هائل وفسدت أخلاقيات كوادرها، وتحولوا من "أولاد بلد" إلى طغم شرهة وعنيفة ومتحجرة القلب ومعدومة الضمير، تمعن تفكيكا ولمجتمعاتها ونهبا للموارد الوطنية وتدميرا للبيئات الاجتماعية والأخلاقية والطبيعية لبلدانها. هذا أسوأ من احتلال أجنبي. من أين تأتي ثقافة الإبداع واالتنوير؟ وكيف لها أن تزدهر في شروط كهذه؟
زوال هذه السلطات، ولو بثمن باهظ على المدى القريب، هو شيء أنحاز إليه. أعتقد أن الثقافة والفكر يتنشطان بعد كل تغير سياسي.
9- مصادرة الحريات الأساسية للجماهير إلى أين ستؤدي بحقوق الإنسان الفرد؟
• "إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم"! لا تصان حقوق الإفراد في إطار لا يصون حريات الجمهور العام. أعني بالطبع الفرد المسؤول الذي يعتبر نفسها فاعلا أخلاقيا. أما الفرد الأناني، صاحب السلطة أو الثري الموسر أو الوجيه النافذ، فقد يجد في تقييد حريات الجمهور الواسع ما يشعره بالأمان ويبهج فؤاده. وأخشى أن في ثقافتنا المعاصرة تيارا نخبويا غير ضئيل، ينتسب له مثقفون مكرسون هنا وهناك، يرتاح إلى التعامل الغليظ مع الجمهور العام الذي يبدو له مثالا للظلامية والتعصب، ويعبر عن ازدراء لما يسميه "الشعبوية"، لا تخفف منه روح أريحية أو تسامح أو دفاع عن الحريات العامة أو عن مبدأ العدل. ولعله لأول مرة في تاريخنا الحديث يجري توسل الثقافة لتسويغ توجهات وقيم مضادة جوهريا للثقافة، وأحيانا يجري الكلام على تنوير من قبل أناس على عداء عميق للروح الديمقراطية للتنوير.
10- أخيراً: ما منبعنا في الإقصاء كعرب.. والى أين سيتجه بنا اللاتسامح ؟
• أتشكك كثيرا في نسبة "الإقصاء" واللاتسامح إلى "العرب". لدينا مشكلات متنوعة غير محلولة على مستوى الثقافة والدين، وعلى مستوى الدولة والسياسة، وعلى مستوى العلاقة مع العالم المعاصر ومركزه الغربي بخاصة. لكن يبدو لي أن في إقامة معادلة بين العرب والإقصاء، أو بين الإسلام والإقصاء، ركون إلى ضرب من التشريط الثقافي، الإيديولوجي بل "الميديولوجي" في الواقع، تتكفل بتثبيته أجهزة جبارة، غربية خاصة، وتجتره بكل بلاهة واتضاع أجهزة متنوعة لدينا.
هذا لا يعني أننا مثال للاستيعاب والتسامح. لكن سمة التشريط المذكور أنه يرْكز لواء إقصائنا ولا تسامحنا المزعومين في صميم ثقافتنا وفي جوهر دين الإسلام، وربما في "العرق العربي". هذا شيء لا يصح لنا مجاملته والسكوت عنه. بالضبط لأنه متعصب وإقصائي ومعاد للتسامح. ننتقد ثقافتنا وننتقد الإسلام ذاته لأننا نتطلع إلى مزيد من الانفتاح والحرية ومن التسامح والمساواة، ولكن كذلك لأننا نعتقد أنه لا تعارض جوهريا بين ثقافتنا وبين الإسلام وبين قيم الانفتاح والتسامح والمساواة والحرية تلك. هذه عقيدتي على كل حال.
بعد قول ذلك هناك صيغ إقصاء متنوعة في اجتماعنا المعاصر تسوغ نفسها بمنطق ديني أو بدواع سياسية، لكن تحركها دوما نوازع التسلط على الناس ونيل امتيازات على حسابهم. فإذا تقرر لدينا أن التعصب واللاتسامح والإقصاء ظواهر تاريخية أو مشروطة تاريخيا، أمكن لنا تطوير نقد ضارب لها دون الانقلاب إلى إقصاء ذاتي مضاد، يطعن العرب في صميم هويتهم وجدارتهم الإنسانية والحضارية.

لماذا نتخلف؟ ولم لا يكف تخلفنا وحده عن التقدم؟

تتطلع هذه المقالة التي لا تقول جديدا على مستوى المضمون إلى صوغ العلاقة بين "الاستبداد" و"التخلف" في العالم العربي في قضية محكمة.
تتمثل السمة الجوهرية للاستبداد المعاصر في البلدان العربية بنزوعه الثابت إلى حيازة السلطة كلها الزمن كله، أو البقاء إلى الأبد في الحكم. وبمنطقه الذاتي يفضى هذا الرهان إلى بعث المبدأ السلالي وتطور "الجمهوريات" القديمة إلى ملكيات جديدة، كما إلى اعتبار المجتمع المحكوم مصدر أخطار تتهدد الحكم، الأمر الذي يوجب مراقبة هذا المجتمع وتقييده ومنعه من الانتظام المستقل والمبادرات الطوعية. ينبغي ألا تنشأ سلطات أو حصانات مستقلة، تنافس مركز السلطة الوحيد، أو حتى تستغني عنه. ولا حتى كفاءات تستمد اعتبارها المستقل وسلطتها الاجتماعية مما تحققه من تفوق في مجالها التخصصي، أو بالخصوص تحاول توظيف هذه السلطة في الفضاء العام . وأية رؤوس قد تظهر بطريقة ما تقطف أولا بأول. تتكون على هذا النحو مجتمعات لا رؤوس لها غير رؤسائها.
لضمان كل السلطة كل الزمن يتعين الاستناد إلى قطاع موثوق من السكان، يتولى الرقابة والتقييد، والقمع الصريح إن لزم الأمر. وهو ما يلزم حتما بفعل التقاء تطلب الاستقلالية المميز للاجتماع الحديث في كل مكان مع إجحاف الملكيات الجديدة المفتقرة إلى شرعية ملكية في جباية السياسة والاستقلال من رعاياها. السند الحيوي الأمتن لمشروع السلطة المؤبدة هو هذا القطاع الذي لا يكفي أن يكون ممتازا، بل أن يدين بكل شيء للحكم المؤبد، فيتماهى به تماهيا كليا.
على هذا النحو تشكل السلطة الأبدية مشروعا لصنع الولاء أو التبعية، وحصر الكفاءة أو منعها من أن تكتسب وزنا عاما واستقلالا ذاتيا. أما محاولات المنافسة السياسية فتمزق بطرق متنوعة، إن لم يتيسر استتباعها ورشوتها. وعند الاقتضاء تسحق بفائض استباقي من العنف وظيفته إخضاع المستقبل.
تعني أولوية الولاء شيئين. أولهما تعميم علاقات المحسوبية والزبونية والتبعية الشخصية. وهنا أصل انبعاث الروابط الأهلية القائمة بطبيعة الحال على المحسوبية والولاء. وبهذه الصورة يلتقي الحكم المؤبد، السلالي بالقوة، مع العنصر المكمل له، انتعاش الروابط والعلاقات الأهلية. الشيء الثاني هو أن دوام النظام يقتضي اشتغال دينامية تقريب وصعود لأهل الولاء، وتبعيد وإزاحة غير الموالين. ولما كان من المرجح أن الأكفأ أكثر استقلالية وأدنى استعدادا لتقديم ولاء مطلق، ، ولما كان طلب الولاء المطلق لا يستدعي أصلا النظر في خصائص أخرى للموالين الذين تتناسب قوة تبعتيهم مع تدني كفاءتهم، بل هو يتوافق مع تحريرهم من أية قيود أخلاقية أو قانونية أو وطنية، كان من الطبيعي أن تفضي دينامية النظام إلى بقاء الأسوأ وحظوته بفرض ارتقاء أعلى. هذا الاستخلاص المنطقي تعززه ملاحظة التدني الغريب لمستوى الأجهزة الحكومية والتنفيذية في الملكيات الجديدة واتساع هجرة الأدمغة، وكذلك الملاحظة المتواترة الخاصة بأن أداء أشخاص اختيروا من خارج آلة النظام لكفاءتهم التخصصية متدن وسيء. لكن تفسير ذلك ميسور. من ناحية يغلب طبع الآلة الاستتباعية المتأصل تطبّع النظام الواعي، فلا تثق بغير المنحدرين من صلبها ولا تكف عن تطويقهم ومنع عدواهم الاستقلالية. ومن ناحية ثانية وأهم، هناك ما يشبه حكومة خفية، يد السلطة الحقيقية والأمر والنهي والمراقبة والمتابعة والإشراف والتوجيه، ولا تعدو الحكومات والوزراء والمدراء واجهات لها. وهذه الحكومة الخفية لا تعترف بمبدأ التخصص إلا في أضيق نطاق؛ وبما هي غريزة بقاء النظام والجهة المسؤولة عن التنسيق العام فإنها لا تقبل ولو استقلالية محدودة في التنفيذ والمتابعة يقتضيها التخصص وحسن سير العمل وضمان النتائج المرغوبة. وهي تراقب، وعند الاقتضاء تعاقب، حتى أجهزة الرقابة والتقييد الظاهرة التي ينبغي ألا تشعر بالأمن هي نفسها.
يمكن اختزال ما سبق على النحو التالي: الحكم المؤبد يقتضي ولاء مطلقا، ومنطق الولاء يشغل قانون تطور خاص، هو البقاء والارتقاء للأسوأ. وهذا طول عقود وعقود بالتعريف، لأننا نتكلم على حكم مؤبد. فهل يبقى "التخلف" سرا بعد ذلك؟ تمضي السنين والعقود وليس فقط لا يتحقق تقدم ذي قيمة على مستوى التعليم والاقتصاد والإدارة والقضاء، بل إن كل شيء يتدهور ويتداعي ويوحي بالقدم والانحلال. لأن هذا كله ليس بين أولويات الحكم المؤبد. وكذلك لأن من المفاعيل الخبيثة لقانون البقاء للأسوأ انهيار قيمة العمل. قيمته المادية كمصدر للدخل والاستقلال المادي، وقيمته المعنوية كمصدر لتأكيد الذات واغتنائها وتحققها والاعتراف بها. وبقدر ما يشغل العمل أسفل سلم القيم الاجتماعية سوف يشغل من يعيشون من عملهم حصرا أدنى الهرم الاجتماعي. من أين يأتي "التقدم" إذن؟
وعلى مستوى الاندماج الوطني والتماسك الاجتماعي الحصيلة أسوأ. لأن رهان التأبيد ينشط علاقات المحسوبية وروابط الدم، هذه التي تتوافق أيضا مع الدخول الريعية المتولدة عن امتلاك "أصول" أبرزها السلطة العمومية وما خلف الآباء. كيف لا يتقدم التخلف؟

إلى ذلك يحتاج الحكم المؤبد إلى جهاز إيديولوجي وظيفته تأكيد عصمة مركز السلطة المشخص وفرادته وتفوقه. لا ينبغي أن يصدق جميع الناس أن الأمر كذلك. المهم أن يتظاهروا أنهم يصدقون (سياسة التظاهر أو "كما لو أن" بحسب ليزا وِدِن) أو أن لا يتجرأ أحد منهم على التشكيك في ذلك. وظيفة صناعة الكاريزما هذه ملء الفضاء الاجتماعي بسردية واحدة، فارضة على أية سرديات أخرى أن تنزوي أو تستسلم لليأس، هذا "السلاح السري للطغيان" على قول لورنس ويتنر.
والرقابة المحكمة هي المفعول المشترك لكل من جهاز التقييد أو القمع العام والجهاز الإيديولوجي. يتولى الجهاز الأول منع تسمية الأشياء بأسمائها فيما يتولى الجهاز الثاني تسمية الأشياء بغير أسمائها. ومن المتوقع لمجتمع المحكومين الذي فصل بخطي نار كهذين عن تمثل واقعه وشروط حياته أن يفقد السيطرة تماما على هذه الشروط وأن تسيطر عليه هي وتجرفه في تياراتها. وإنما لذلك ترى الناس مقزمين روحيا، متخلين عن أية تطلعات رفيعة، جل طموحهم تدبر العيش وألا يكونوا مرئيين من قبل "العين" العامة. خوفهم يقصر الروابط بينهم ويعزلهم عن بعضهم، ليبدون جميعا غرباء في عين بعضهم. وغاية ما يمكن للغرباء المعزولين الخائفين المحتقرين أن يفعلوه هو أن يحتقروا بعضهم ويخافوا من بعضهم. وربما يوما أن يقتلوا بعضهم.
في المختصر، التخلف صناعة سياسية.
دون الصناعة هذه نحن بلدان متخلفة تصارع تخلفها لتتقدم كما يفعل كثيرون غيرنا. أما مع هذه الصناعة المتقدمة فالتخلف يتطور إلى تخليف قوي العزم.

أن تكتب من داخل سورية


بدأت الكتابة عمليا في عام 2000. وتفرغت لها تماما منذ نهاية ذلك العام.
كنت، بين مئات من اليساريين وألوف من الإسلاميين، قضيت زمنا طيبا في سجن الأسد الأول، 16 عاما.
خرجت من السجن في السادسة والثلاثين لأكمل دراستي الجامعية، لكن عيني كانت على الكتابة. وهو ما تحقق فعلا بعد شهور قليلة من وراثة الابن أبيه حكم سورية.
بهذا أكون مجايلا، ككاتب، لعهد الرئيس بشار الأسد.  
لا أنكر بحال أني استفدت من مناخات مختلفة وسمت مطالع العهد. مناخات منفرجة حاول "الرئيس الشاب" لبعض الوقت تعريف حكمه بها. لكن كنت بين كثيرين نستند إلى ما نظنها "شرعية" حزناها من اعتقالنا المديد. كنا شركاء للعهد، مساهمين في تشكيل ملامح أيامه الباكرة. لم يتنازل لنا، لم يتفضل علينا، لم ننشط بفضله؛ ظهرنا معا. يدين لسلطته، وندين لـ"رأسمالنا الرمزي".
وبين مجموع الناشطين والكتاب والمثقفين السياسيين السوريين قد أكون الأكثر مجايلة لما كان يسمى حينها "العهد الجديد". ليس فقط لأني ظهرت ككاتب معه، ولا لأنه كان موضوعي الأول، ولكن كذلك لأني مقيم في البلد، في ظله. لم أخرج من سورية قط إلا إلى لبنان بين عامي 2003 و2004. بعدها منعت من السفر ورفضت الأجهزة المعنية منحي جواز سفر.
إلى ذلك التقت ظروف مواتية نسبيا مع قرار واع من طرفي بوجوب تناول الشأن السوري ومنحه اهتماما مخصوصا، دون إذابته في تناول عام يتكلم على البلدان العربية أو على العالم الثالث وما شابه، مما كان وسم النشاط الكتابي لأكثر الكتاب السوريين. هذه ممارسة تجعل الكتابة بلا موضوع، وتترك سورية دون وعي ذاتي.

ليس أصعب ما يواجه الكتابة عن سورية ما قد تتسبب به من متاعب للكاتب السوري مع أجهزة النظام، بل بالخصوص ضعف التراكم الكتابي عن الشأن السوري المعاصر بأقلام كتاب سوريين. السجل خال تقريبا بخصوص سنوات حكم الأسد الأب. غير السردية الرسمية لا يجد المرء شيئا. كانت المعارضة بكل تياراتها اليسارية والإسلامية والقومية قد سحقت، وحجبت سرديتها أو سردياتها. وذو دلالة أنه لم يتح حتى اليوم إخراج هذه السرديات من الحجب وإتاحة نفاذ عام إليها. تعاملت المنظمات السياسة السورية المعارضة مع تاريخها كملحمة نضالية وكمصدر شرعية، ولم تهتم به كسجل من المواقف والتحليلات والمبادرات والأفكار التي ينبغي أن توضع بين يدي جمهور واسع. على هذا النحو يجد المرء نفسه عاريا أو يكاد أمام السردية الرسمية التي تطابق سورية بنظامها، فتشخصنها في الرئيس ("سورية الأسد")، وتنكر أي صراع اجتماعي أو سياسي في البلد، وتزيح المعارضة إلى نطاق غير المتخيل. يغرى الكاتب المعارض في مثل هذا الوضع بأن ينشغل كثيرا بتكذيب هذه السردية والتشكيك في تمثيلها لسورية ومطابقتها لحالها. هذا حيوي جدا بالفعل، لكنه يحمل خطر تضييق أفق التفكير، وربما مماثلة النظام من حيث ننشغل بمخالفته وتكذيب حكاياته. مشكلة سردية النظام أنها جزئية جدا وخاصة جدا، احتلت بالقوة موقع السردية الوطنية العامة. انشغالنا بها مباشرة ودون وسائط (تراكم كتابي..) يحمل خطر أن نفعل الشيء ذاته، أن نطور صورة جزئية ومشوهة أيضا، أن ننتهي إلى مشابهة الوحش الذي تعاركنا معه طويلا على قول نيتشه. 
ترى لو كان لدينا تراكم كتابي نقدي بأقلام سوريين عن شؤون البلد السياسية والاجتماعية والثقافية...، أما كان هذا يتيح لنا أفقا أوسع في الكتابة والتفكير؟ كنا سنطور موقفا نقديا مزدوجا، حيال النظام وخرافاته، وحيال ذلك التراكم الكتابي. وكان من شأن ذلك أن يمكننا من تطوير سردية أكثر غنى وقابلية للتعميم.

يضم هذا الكتاب عددا من مقالاتي عن الشأن السياسي السوري خلال السنوات الخمسة الأولى من العهد. أكثرها في الواقع مكتوبة في عامي 2004 و2005. وتقتصر المقالات المضمنة هنا على تلك التي تتناول الأوضاع الداخلية السورية، وبخاصة النظام السياسي وممارساته وهياكله وإيديولوجيته. لقد استبعدت منها ما يتصل بالسياسة الخارجية والإطار الإقليمي، وكذلك ما يتناول المعارضة السورية وأوضاعها، وما يتصل بمسائل الثقافة، وما يهتم بالثقافة السياسية السورية، وما يستعيد جوانب من تجربة السجن، وما يناقش المسألة الكردية، فضلا عن عدد من المواد التي تتناول الحال الجامعية في البلاد. وبينما أسلم بأن من شأن تناول الشؤون السورية منفصلة عن الإطار الإقليمي والدولي الذي يحف بها أن يجعل جوانب منها غير مفهومة، فإن اعتبارا آخر غير اعتبار حجم هذا الكتاب اقتضى إغفالها: النظر إلى الداخل السوري، إلى ما في داخل "الصندوق الأسود" السوري، خلافا لمعهود سوري وعربي يكاد لا يرى أن لسورية داخلا.
من حيث مضمونها وأحكامها لا تنفصل المقالات عن شرط كاتبها كمثقف منخرط في العمل العام من موقع معارض للنظام في طوريه. الكتابة هنا ممارسة سياسية تغييرية، والكاتب "مناضل". ليس ميسورا الجمع بين الكتابة والنضال، بين قول الحقيقة ومقاومة السلطة. لكن الفصل بينهما صعب بدوره. فالحقيقة سياسية في سورية (وفي كل مكان)، وما يعوق معرفة أكثر تطورا بالأحوال السورية هو نمط ممارسة السلطة القائم على السرية والخوف وحجب المعلومات وتكثير "الخطوط الحمر" ومعاقبة التفكير المستقل ورعاية التملق وتشجيع ثقافة لا نقدية تتكتم على كل ما هو سياسي. هذا يعني أن مقاربة الحقيقة فعل احتجاج ومقاومة. لكن بالمقابل لا يحمل الاحتجاج على نظام السلطة ذاك ضمانات صوابه المعرفي والأخلاقي في ذاته. لا يكفي أن يكون المرء معارضا حتى يكون على حق. "الحق" مسألة معرفة وعدالة وسداد، والمعارضة مسألة التزام وشجاعة ومسؤولية. والعلاقة بين هذين المطلبين متوترة وتناقضية. ليست علاقة توافق بحال. أفضّل أن أعرف المثقف بوعي هذا التناقض، وبالاستقلال الأخلاقي الذي يحرزه من التزامه بمبدئين متناقضين.
من جهتي، لا أريد التخلي عن هذه المعادلة الصعبة.
فإذا وفر هذا الكتاب مادة يتيح نقدها والكشف عن محدداتها النفسية والسياسية والفكرية رؤية أوسع للأحوال السورية، فسيكون برر نفسه وأدى ما عليه. 
مقدمة كتاب "سوريا...من الظل، نظرات داخل الصندق الأسود". صدر عن "جدار للثقافة والنشر" في أوخر  كانون الثاني 2010