وافدا جديدا إلى دمشق في أواخر عام 2000، كنت مهموما بسبل تأمين العيش. خطر ببالي أن أصدر نشرة تتناول الشأن العام السوري، وأنها ربما تعينني كمصدر دخل. كان تلك أيام "ربيع دمشق"، وفي البلد أجواء عامة منفرجة نسبيا. ودون تأخير بدأت بالتنفيذ. كان لي صديق شاب، متخصص في الكمبيوتر وإخراج المطبوعات. كنت أكتب المواد، وهو، وصديقته حينها، ينضدانها ويخرجان النشرة التي كان اسمها "قنطرة". كنت قرأت في مكان ما أيام السجن أن لمعهد العالم العربي في باريس مجلة اسمها "قنطرة"، لكني كنت نسيت الأمر حين سميت نشرتي بهذا الاسم نفسه. وبعد وقت سأعلم أيضا أن هناك موقعا ألمانيا باللغة العربية اسمه أيضا قنطرة.
كان الاسم ملائما لغرضي. في مقدمة العدد صفر قلت إن "قنطرة" تريد أن تكون جسرا بين جيلين، من هم في عمري وأكبر وبين جيل الشباب، وبين من هم مختلفين إيديولوجيا، وكذلك بين طورين من أطوار الحياة السياسية في البلد. وقتها، كنت متفائلا بأن سورية تلج عهدا سياسيا مغايرا. كان تفاؤلا في غير محله.
كانت قنطرة مكونة من ست صفحات، وفي كل عدد من الأعداد الثلاثة التي صدرت منها 3 أو 4 مواد، أكتبها بنفسي، وفي الصفحة الأخيرة مادة لمثقف معروف، كنت أختارها من كتاب منشور له. في العدد صفر كان هناك نص لبرهان غليون، وفي العدد 1 نص لعزمي بشارة، وفي العدد 2 نص لغسان سلامة. سوري وفلسطيني ولبناني.
وكنت أوزع النشرة وأحاول أن أتقاضى لها ثمنا من الراغبين في الاطلاع عليها. لكنها بالكاد كانت تغطي كلفة طباعة نحو 100 نسخة من كل عدد. علما أن التنضيد والإخراج كانا مجانيين.
نالت "قنطرة" اهتماما معقولا، وبفعلها صرت معروفا بعض الشيء بين المهتمين بالشأن العام في سورية حينها.
كانت النشرة شهرية، وقد صدرت في الأيام الأخيرة من الشهير الأخير في عام 2000، ثم في الأيام الأخيرة من الشهر الأول، والعدد الأخير بعد شهر تماما في أواخر شباط. كنت حريصا على تواترها من باب الانضباط في العمل واحتراما للقراء. في ذلك الوقت كانت تصدر نشرة واحدة معارضة، اسمها "الموقف الديمقراطي"، تنطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي. كنت أعتبر نفسي من التجمع، ولقد كتبت قبل ذلك وبعده لنشرته، لكن كان يحنقني أن ائتلافا معارضا من عدة أحزاب لا يستطيع أن يحافظ على التواتر الدوري لنشرة متواضعة، أو على مستوى معقول لموادها. وعلى تواضع تجربة "قنطرة"، فإنها شاهد على أن عملا منضبطا يقوم به فرد واحد قد يؤتي من ثمارا معقولة، لا يثمرها عمل متوان لهيئات.
بعد ثلاثة شهور توقفت "قنطرة"، تحت تأثير مزيج من قلق أمني من طرفي، ولأني لم أكن متحكما بشيء من "أدوات إنتاجها". كنت مقيما في قدسيا حينها، وكان صديقي الشاب الذي ينضد ويخرج النشرة مقيما في جرمانا، ولم تكن مواعيده مثالا للانضباط. كأن يحصل أن أقضي أكثر من ساعة على الطريق للوصول إلى بيته في موعد متفق عليه، ثم لا أجد أحدا. ثم إني كنت أيضا بحاجة إلى ما يعود علي بدخل. وكانت الترجمة عن الانكليزية والنشر المبعثر وغير المنتظم حينها في الصحف مصادر دخلي الوحيدة. كان صعبا علي أن أحافظ على "قنطرة" في مثل وضعي آنذاك.
قبل وقت قصير اقترح علي الصديق نفسه أن أعود إلى إصدار "قنطرة". فكرة طيبة. لكن ليس مناسبا أن تتكرر بالصيغة نفسها. لا أستطيع اليوم أن أكتب موادها كلها أو أكثرها. لكن ربما تكون نشرة متوسطة الحجم شيئا يستحق أن نعمل عليه يوما، مجموعة من الشبان والكهل الذي هو أنا!
بدل ضايـــع
مدوّنة ياسين الحاج صالح
04 نوفمبر, 2011
02 نوفمبر, 2011
جوانب من سيرة المجتمع المفخخ
منذ أيامه الباكرة حكم نظام الأسد سورية بـ"المسيرات الشعبية العفوية"، وبالمهرجانات الخطابية والهتافات، وبالصور واللافتات، وبالتماثيل، بقدر ما حكمها بالمخابرات والتعذيب والسجون.
تندرج المسيرات وأخواتها في جهاز رمزي ضخم، عابر لأجهزة الدولة جميعا، أو هو أحد وجوه عملها، بما فيها المدارس والجامعات والإدارات الحكومية والجيش. وليس الجهاز الإعلامي غير أحد العناصر الظاهرة في هذا الجهاز أو المركب الجهازي الرمزي. التلفزيون والإذاعة والصحف السورية متمركزة بصورة كلية حول "النظام"، أي الرئيس والمخابرات. الحكومة تنتقد، والإدارات كلها، لكن ليس "النظام". وكان من الشائع حتى وقت قريب أن يقال لصحفيين شباب يعملون في مواقع انترنت مقربة من النظام إنه يمكنهم أن ينتقدوا الجميع بحرية، من العطري (رئيس الوزراء السابق) فما دون.
والوظيفة العامة لهذا المركب الجهازي الرمزي هي الحب، أو استعراض حب الشعب للرئيس. وبلغة اقل عاطفية هي صنع الإجماع، أو مظهره على الأقل. قد لا يطمح النظام جديا إلى الفوز بقلوب السوريين، لكنه لا يتسامح بأي تعبير علني عما في القلوب. عليهم أن يتصرفوا كما لو أنهم يحبونه على نحو ما حللت الأمر ليزا ودين في كتبها "السيطرة الغامضة".
أما وظيفة المخابرات فهي منع الانشقاق أو حراسة مظهر الإجماع الذي لا يكف عن بثه المركب الجهازي الرمزي الجسيم. وهي المتعهد العام للخوف في المجتمع السوري، أو ببساطة القاتل الشرعي. صدقية القمع تقتضي قتل بعض المنشقين، وتعذيب أكثرهم، وتخويف الجميع.
والمخابرات أيضا اسم عام لمركب جهازي لا يقتصر على أجهزة الأمن المعروفة وغير المعروفة. فهناك بعد أمني أيضا لحزب البعث و"المنظمات الشعبية" والنقابات والمدارس والجامعات والجيش، فضلا عن المخبرين و"كتبة التقارير" المبثوثين في كل مكان. إذا هتف تلاميذ الصف الثامن في إحدى المدارس الشعب يريد إسقاط النظام فإن مدير المدرسة هو من يسارع إلى حبسهم في الصف، والاتصال بالمخابرات لتولي أمرهم. وإذا أدخلنا في حساب عديد المخابرات كل من لهم وظيفة أمنية في الحزب والدولة والمجتمع، فربما نخرج برقم مليوني.
ويشكل هذا المركب الجهازي شبكة عصبية هائلة، لا تترك موضعا في سورية خارج رقابتها وتدخلاتها. ومثله أيضا المركب الجهازي الرمزي. فليس هناك مكان يتجه إليه المرء في سورية لا تصادفه فيه صور الرئيس الحالي وتماثيل أبيه، وإيحاء الرقابة والحصار المرتبط بهما. وما يميز المقرات الأمنية هو وفرة صور الرئيس وتماثيله في مكاتبها الفخمة من جهة، ووفرة المعتقلين والتعذيب في أقبيتها المرعبة من جهة ثانية.
وبمحصلة هذا الاختراق الجهازي المزدوج آل المجتمع السوري إلى وضع المجتمع المفخخ، الذي قد يحطم نفسه إذا عمل على تغيير وضعه، لكنه يموت ببطء إذا لم يغير وضعه.
وفي هذه البنية المحكمة يتمثل الفارق الأهم بين النظام السوري والنظم العربية الأخرى. فإذا أضفنا أيضا التكوين الاجتماعي الثقافي للمجتمع السوري، وتلاعب النظام المزمن بالفوارق الدينية والمذهبية بين السكان، ظهر لنا أن النظام السوري يكاد يكون نسيج وحده بين النظم العربية. وهو ما يبدو أن المسار المتمادي والدامي للثورة السورية يؤكده على نحو مشؤوم.
منذ بداية الثورة اعتمد النظام على هذين المركبين الجهازيين. تجندت وسائل الإعلام السوري لبث روايات تجمع بين التقليل من شأن الاحتجاجات الشعبية ومن نسبة المشاركين فيها، والقول إن الأوضاع طبيعية في البلد، وفي الوقت نفسه الكلام على عصابات مسلحة ومجموعات إرهابية. الغرض هو صون مظهر الإجماع من جهة، وتسويغ القمع الواسع النطاق من جهة ثانية. وبموازاة ذلك حرص النظام على تحريك مسيراته "العفوية" بغرض تأكيد الإجماع ذاته. العفوية صناعة عريقة في سورية الأسد. ويعرف السوريون جميعا أن طلاب المدارس والجامعات وموظفو الإدارات، وكثير من العاملين في مؤسسات خاصة، لا يستطيعون ألا يشاركوا في المسيرات "تحت طائلة المسؤولية". وقد أتيحت في الشهور الأخيرة غير وثيقة نشرت على صفحات الفيسبوك، تتضمن تعليمات موجهة إلى دوائر حكومية بوجوب مشاركة موظفيها في مسيرات الولاء للرئيس. هذا لا يلغي أن للنظام نواة من الموالين، لكن هذه بالذات فاقدة للمبادرة الذاتية وللتماسك الذاتي، ولا تفعل شيئا من تلقاء نفسها.
ولم يعن تسيير النظام للموالين له في شهور الثورة توقفا عن قتل المعارضين الذي يتولاه المركب القمعي، أو استعدادا لخوض مباراة عادلة في التظاهر بين الموالين للنظام ومعارضيه. بالعكس، كانت "المسيرات الشعبية العفوية" بمثابة إضفاء شرعية شعبية على القتل، وقد سارت معه يدا بيد منذ بداية الثورة. تخرج المسيرات إلى الساحات الكبرى للمدن، حاملة صور الرئيس، والموالون يرقصون ويغنون، بينما يجري استهداف المحتجين في الشوارع الجانبية للأحياء والضواحي. وعليه، ليس من التجاوز القول إن المسيرات "العفوية" هذه استمرار للقتل المتعمد بوسائل أخرى. الفاعل السياسي وراءهما واحد، هو النظام. والغرض منهما واحد، تثبيت احتكاره القتل و"التسيير" العام.
وفي وحدة الحال بين مسيرات الموالين وقتل المعارضين ما يفسر أن "العصابات المسلحة" و"الجماعات الإرهابية" التي يفترض أن النظام يواجهها لا تستهدف أبدا التجمعات الموالية له، بل تهاجم بصورة مفارقة مظاهرات الثائرين ضده حصرا. المفارقة تتبخر حين نرى أن المسيرات والقتل وجهان لسياسة واحدة، ووراءهما فاعل واحد.
وعلى كل حال تظهر الثورة السورية وعيا قويا بوحدة هذين المركبين الجهازيين. استهدف المتظاهرون صور النظام. وتماثيله وأيقوناته، ويدخر جمهور الثورة (وأكثرية كبيرة من السوريين) أعنف مشاعرهم ضد أجهزة المخابرات. لأسباب ظاهرة، لم يتعرض أي مقر أمني لهجوم المتظاهرين، لكن من المحتم أن تكون الهدف الأول للجماهير حين تلوح علائم انهيار النظام.
وستقاس فاعلية الثورة على كل حال بالتخلص الكامل من مركبي النظام الرمزي والقمعي. هذا ما يقتضيه تحرر سورية من شرط المجتمع المفخخ، المعرض للانفجار إذا تحرك، وللموت البطيء إذا ظل ساكنا. الثورة العامة هي المخرج من هذا الشرط المميت.
وستكون علامة رشد طيبة للثورة السورية والشعب السوري لو يستحدث متحف للتاريخ السياسي السوري المعاصر، يضم جناحا للتماثيل والصور واللافتات والشعارات، وأغاني الحب للقائد، والأشرطة المصورة لمسيرات الولاء... التاريخ السياسي لسورية، وفي الزمن الأسدي بخاصة، لا يفهم دون النظر في هذا الجانب. ولعل "قصر الشعب" المنعزل عن مدينة دمشق، والمتعالي عليها بالمعنى الحرفي للتعبير، صالح لأن يكون متحفا. من شأن ذلك أن يكون فرصة لأن يطلع السوريون على ما وراء أسوار ذلك المكان المنعزل المهيب. الشعب يريد أن يرى ما في قصر... الشعب!
تندرج المسيرات وأخواتها في جهاز رمزي ضخم، عابر لأجهزة الدولة جميعا، أو هو أحد وجوه عملها، بما فيها المدارس والجامعات والإدارات الحكومية والجيش. وليس الجهاز الإعلامي غير أحد العناصر الظاهرة في هذا الجهاز أو المركب الجهازي الرمزي. التلفزيون والإذاعة والصحف السورية متمركزة بصورة كلية حول "النظام"، أي الرئيس والمخابرات. الحكومة تنتقد، والإدارات كلها، لكن ليس "النظام". وكان من الشائع حتى وقت قريب أن يقال لصحفيين شباب يعملون في مواقع انترنت مقربة من النظام إنه يمكنهم أن ينتقدوا الجميع بحرية، من العطري (رئيس الوزراء السابق) فما دون.
والوظيفة العامة لهذا المركب الجهازي الرمزي هي الحب، أو استعراض حب الشعب للرئيس. وبلغة اقل عاطفية هي صنع الإجماع، أو مظهره على الأقل. قد لا يطمح النظام جديا إلى الفوز بقلوب السوريين، لكنه لا يتسامح بأي تعبير علني عما في القلوب. عليهم أن يتصرفوا كما لو أنهم يحبونه على نحو ما حللت الأمر ليزا ودين في كتبها "السيطرة الغامضة".
أما وظيفة المخابرات فهي منع الانشقاق أو حراسة مظهر الإجماع الذي لا يكف عن بثه المركب الجهازي الرمزي الجسيم. وهي المتعهد العام للخوف في المجتمع السوري، أو ببساطة القاتل الشرعي. صدقية القمع تقتضي قتل بعض المنشقين، وتعذيب أكثرهم، وتخويف الجميع.
والمخابرات أيضا اسم عام لمركب جهازي لا يقتصر على أجهزة الأمن المعروفة وغير المعروفة. فهناك بعد أمني أيضا لحزب البعث و"المنظمات الشعبية" والنقابات والمدارس والجامعات والجيش، فضلا عن المخبرين و"كتبة التقارير" المبثوثين في كل مكان. إذا هتف تلاميذ الصف الثامن في إحدى المدارس الشعب يريد إسقاط النظام فإن مدير المدرسة هو من يسارع إلى حبسهم في الصف، والاتصال بالمخابرات لتولي أمرهم. وإذا أدخلنا في حساب عديد المخابرات كل من لهم وظيفة أمنية في الحزب والدولة والمجتمع، فربما نخرج برقم مليوني.
ويشكل هذا المركب الجهازي شبكة عصبية هائلة، لا تترك موضعا في سورية خارج رقابتها وتدخلاتها. ومثله أيضا المركب الجهازي الرمزي. فليس هناك مكان يتجه إليه المرء في سورية لا تصادفه فيه صور الرئيس الحالي وتماثيل أبيه، وإيحاء الرقابة والحصار المرتبط بهما. وما يميز المقرات الأمنية هو وفرة صور الرئيس وتماثيله في مكاتبها الفخمة من جهة، ووفرة المعتقلين والتعذيب في أقبيتها المرعبة من جهة ثانية.
وبمحصلة هذا الاختراق الجهازي المزدوج آل المجتمع السوري إلى وضع المجتمع المفخخ، الذي قد يحطم نفسه إذا عمل على تغيير وضعه، لكنه يموت ببطء إذا لم يغير وضعه.
وفي هذه البنية المحكمة يتمثل الفارق الأهم بين النظام السوري والنظم العربية الأخرى. فإذا أضفنا أيضا التكوين الاجتماعي الثقافي للمجتمع السوري، وتلاعب النظام المزمن بالفوارق الدينية والمذهبية بين السكان، ظهر لنا أن النظام السوري يكاد يكون نسيج وحده بين النظم العربية. وهو ما يبدو أن المسار المتمادي والدامي للثورة السورية يؤكده على نحو مشؤوم.
منذ بداية الثورة اعتمد النظام على هذين المركبين الجهازيين. تجندت وسائل الإعلام السوري لبث روايات تجمع بين التقليل من شأن الاحتجاجات الشعبية ومن نسبة المشاركين فيها، والقول إن الأوضاع طبيعية في البلد، وفي الوقت نفسه الكلام على عصابات مسلحة ومجموعات إرهابية. الغرض هو صون مظهر الإجماع من جهة، وتسويغ القمع الواسع النطاق من جهة ثانية. وبموازاة ذلك حرص النظام على تحريك مسيراته "العفوية" بغرض تأكيد الإجماع ذاته. العفوية صناعة عريقة في سورية الأسد. ويعرف السوريون جميعا أن طلاب المدارس والجامعات وموظفو الإدارات، وكثير من العاملين في مؤسسات خاصة، لا يستطيعون ألا يشاركوا في المسيرات "تحت طائلة المسؤولية". وقد أتيحت في الشهور الأخيرة غير وثيقة نشرت على صفحات الفيسبوك، تتضمن تعليمات موجهة إلى دوائر حكومية بوجوب مشاركة موظفيها في مسيرات الولاء للرئيس. هذا لا يلغي أن للنظام نواة من الموالين، لكن هذه بالذات فاقدة للمبادرة الذاتية وللتماسك الذاتي، ولا تفعل شيئا من تلقاء نفسها.
ولم يعن تسيير النظام للموالين له في شهور الثورة توقفا عن قتل المعارضين الذي يتولاه المركب القمعي، أو استعدادا لخوض مباراة عادلة في التظاهر بين الموالين للنظام ومعارضيه. بالعكس، كانت "المسيرات الشعبية العفوية" بمثابة إضفاء شرعية شعبية على القتل، وقد سارت معه يدا بيد منذ بداية الثورة. تخرج المسيرات إلى الساحات الكبرى للمدن، حاملة صور الرئيس، والموالون يرقصون ويغنون، بينما يجري استهداف المحتجين في الشوارع الجانبية للأحياء والضواحي. وعليه، ليس من التجاوز القول إن المسيرات "العفوية" هذه استمرار للقتل المتعمد بوسائل أخرى. الفاعل السياسي وراءهما واحد، هو النظام. والغرض منهما واحد، تثبيت احتكاره القتل و"التسيير" العام.
وفي وحدة الحال بين مسيرات الموالين وقتل المعارضين ما يفسر أن "العصابات المسلحة" و"الجماعات الإرهابية" التي يفترض أن النظام يواجهها لا تستهدف أبدا التجمعات الموالية له، بل تهاجم بصورة مفارقة مظاهرات الثائرين ضده حصرا. المفارقة تتبخر حين نرى أن المسيرات والقتل وجهان لسياسة واحدة، ووراءهما فاعل واحد.
وعلى كل حال تظهر الثورة السورية وعيا قويا بوحدة هذين المركبين الجهازيين. استهدف المتظاهرون صور النظام. وتماثيله وأيقوناته، ويدخر جمهور الثورة (وأكثرية كبيرة من السوريين) أعنف مشاعرهم ضد أجهزة المخابرات. لأسباب ظاهرة، لم يتعرض أي مقر أمني لهجوم المتظاهرين، لكن من المحتم أن تكون الهدف الأول للجماهير حين تلوح علائم انهيار النظام.
وستقاس فاعلية الثورة على كل حال بالتخلص الكامل من مركبي النظام الرمزي والقمعي. هذا ما يقتضيه تحرر سورية من شرط المجتمع المفخخ، المعرض للانفجار إذا تحرك، وللموت البطيء إذا ظل ساكنا. الثورة العامة هي المخرج من هذا الشرط المميت.
وستكون علامة رشد طيبة للثورة السورية والشعب السوري لو يستحدث متحف للتاريخ السياسي السوري المعاصر، يضم جناحا للتماثيل والصور واللافتات والشعارات، وأغاني الحب للقائد، والأشرطة المصورة لمسيرات الولاء... التاريخ السياسي لسورية، وفي الزمن الأسدي بخاصة، لا يفهم دون النظر في هذا الجانب. ولعل "قصر الشعب" المنعزل عن مدينة دمشق، والمتعالي عليها بالمعنى الحرفي للتعبير، صالح لأن يكون متحفا. من شأن ذلك أن يكون فرصة لأن يطلع السوريون على ما وراء أسوار ذلك المكان المنعزل المهيب. الشعب يريد أن يرى ما في قصر... الشعب!
28 أكتوبر, 2011
حوار في شؤون الثورة السورية
أسئلة ريتا فرج
1. الحركة الاحتجاجية في سورية على مشارف الشهر التاسع وحتى اللحظة يبدو أن هناك حال من الجمود المتوازن بين النظام والمعارضة السورية الخارجية منها والداخلية. ما رأيك في ذلك؟ وأي طرف من أطراف الأزمة السورية أثبت قدرته على تجاوز الستاتيكو الراهن المعارضة أم النظام؟
الثورة السورية في مطالع شهرها الثامن وليس التاسع.
هناك طرف مُراجِع للأوضاع القائمة هو قطاعات ناشطة عريضة من الشعب السوري، وهناك نظام لا قضية عامة إيجابية له، يواجه الثورة بالتنكيل الوحشي، ولم يفكر في أي لحظة في فتح مخرج يعود بمكاسب فعلية على الشعب. وأعتقد أن مسار أكثر من 7 أشهر يقول إن هذا النظام غير أمين على سورية، شعبا ووطنا ودولة، وينبغي أن يزول اليوم قبل الغد. هذا من باب قول الشيء الأساسي، قبل الدخول في أي مناقشة سياسية.
ليس هناك جمود. لا شيء جامد في سورية اليوم. هناك إزاحة متدرجة لجبال من الخوف، وزحزحة تأخذ وقتا لأهرامات قمعية، وتفكيك وئيد لكن موصول لنظام راكم طوال عقود أسلحة يستخدمها اليوم ضد الثورة. لكن النظام عاجز عن إخماد الثورة مهما فعل، لعدالة قضيتها واتساع قاعدتها، ولاقتناع عموم السوريين بأن من شأن خمود ثورتهم أن يكون بداية عهد أشد وحشية بعدُ من كل ما خبروا.
ما حرك الأوضاع في سورية هو الثورة، وما هو مؤهل لكسر الستاتيكو هو الثورة. ومن شأن انضمام المعارضة إلى قضية الثورة دون لبس أن يسهم أكثر في كسر الستاتيكو. المصلحة الوطنية السورية ومقتضيات العدالة والإنسانية تقضي بضرورة التخلص من هذا النظام.
2. ثمة اتجاه يقول إن النظام السوري استطاع تخطي المرحلة وبأنه يملك من المقومات البنيوية التي تجعله أكثر قدرة على التعامل مع التحولات رغم الضغوط الدولية. ما هي انعكاسات ذلك على الحراك الميداني أولاً؟ وهل دور سورية الاستراتيجي عبر قنواته الاقليمية يعزز هذا الاتجاه؟
أعتقد أن هذا الكلام يتضمن رغبات قائليه وليس شيئا عن واقع الحال السوري.
أنا أرى شيئا إيجابيا في وقوف الضغوط الدولية حيث هي واقفة، لأنها تبقي قضية الشعب السوري بين يديه وتضعه وحيدا في مواجهة مضطهديه وناهبيه. ولقد أظهر السوريون من الشجاعة والإبداعية والتضحية ما لم يتوقعه أحد. ورغم الضحايا والشهداء والمعذبين، والمخاطر المحتملة على المجتمع السوري بفعل تصرف النظام كشبيح عام، إلا أن طول أمد الثورة السورية هو فرصة لتحرر أعداد أكبر من الأفراد ولتدرب سوريين كثيرين على التفكير في الشأن العام والانخراط فيه. هذا طيب، ومن أثمن ما أثمرته الثورة حتى اليوم.
النشاط الاحتجاجي مستمر بقوة ويوميا كما ترين. يحصل أن ينفعل ثائرون سوريون هنا أو هناك تحت تأثير ما يلحق بهم وبأوساطهم الاجتماعية من قتل ودمار وتنكيل، فيطلبون تدخلا دوليا، لكن همة الثورة السورية ككل لم تفتر، وهي لا تكف عن التجدد بصورة مذهلة حتى في البؤر التي ظن النظام أنه سحقها وتمكن من إخمادها، كالرستن وتلبيسة وجسر الشغور وغيرها. النظام كان دوما "دولة خارجية"، تلغي الداخل الوطني وتثبت نفسها من خلال "الدور الإقليمي"، أي جعل نفسها ضرورية للقوى الدولية الفاعلة. وهو اليوم يعمل على تثمير هذا الرصيد، لكن بفاعلية متناقصة، لا يبدو أنها تسعفه في مواجهة الثورة في الداخل.
3. المعارضة السورية اليوم انقسمت الى قسمين: قسم خارجي يمثله المجلس الوطني السوري وقسم داخلي تمثله هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي. ما رأيك بهذه الثنائية؟ وما الذي تحتاج المعارضة السورية لتوحيد صفوفها؟
هذا الكلام على قسمين داخلي وخارجي للمعارضة انطباعي وخاطئ، حين لا يكون تضليلا متعمدا. الثورة هي الداخل السوري بالمعنى الاجتماعي والديناميكي للكلمة، ولا تتوحد المعارضة إلا عبر انخراطها في حركة الثورة دعمها بسبل متنوعة. ولا لزوم لوحدتها أصلا، ولا جدوى من وحدتها، لغير القيام بهذا الواجب الكبير.
وحتى من ناحية شكلية، يضم المجلس الوطني قوى منظمة داخل البلاد: مثل "إعلان دمشق"، ومثل هيئات تنسيق متنوعة منخرطة في الثورة. وتعلمين أنه نال شرعية داخلية مبدئية في جمعة "المجلس الوطني يمثلني" يوم 7/10. أما أنه يعقد اجتماعاته خارج البلاد، فلأن النظام يستهدفه كما تعلمين أيضا: مشعل التمو اغتيل، ورياض سيف ضرب وكسرت يده، وتعلمين التهديد الذي نطق به وليد المعلم ضد الدول التي تعترف بالمجلس.
وأخشى أن الكلام على معارضة خارجية هي المجلس وداخلية هي هيئة التنسيق يندرج في مسعى النظام لتمزيق المعارضة، وتخوين "الخارجيين" وتأليف قلوب "الداخليين". ومن المؤسف أن يكرر معارضون هذا التصور الخاطئ من وجهة نظر الحقيقة والضار من وجهة نظر العمل. هذا مسيء للقضية العامة في رأيي.
4. انتقد جزء من المعارضين من بينهم هيثم منّاع المجلس الوطني السوري بسبب سيطرة التيار الإسلامي عليه. ما رأيك في ذلك؟ وما هو تفسيرك لحضور حركة الاخوان المسلمين بهذا الزخم في المؤتمرات الخارجية؟
ليس صحيحا في تصوري أن الإسلاميين يسيطرون على المجلس. أخمن أن بعض الإسلاميين يعتبرون أن علمانيين هم المسيطرون على المجلس.
ويبدو لي أن مشاركة الإخوان في كل أنواع المؤتمرات، وبعضها تظاهرات إعلامية لا أكثر ولا أقل، ربما تكون مؤشرا على ضعف ثقتهم بوزنهم الداخلي وبدورهم في الثورة، ومحاولة التعويض بالظهور الإعلامي.
لكن الإسلاميين متنوعون، إن في المجلس أو في الواقع، وبينهم تجاذبات لا تقل عن تلك القائمة بين صفوف "العلمانيين". وضمن أطياف المجلس ككل هناك تجاذبات متنوعة، بعضها يأتي من حداثة التجربة وقلة الخبرة، وبعضها من تنوع واختلاف الرؤى والتوجهات داخله. وربما تكون تجاذبات داخلية في المجلس هي السبب في ضعف فاعليته بعد أكثر من 3 أسابيع على تشكله. وأرى أن الثورة السورية لن تعطي المجلس تفويضا مفتوحا. فإما أن يكون فاعلا وعلى الفور، وإلا فإن حركة الثورة ستتجاوزه كما تجاوزت غيره.
وبنظرة عامة ليس المجلس كتلة متجانسة من الشر إلا من وجهة نظر النظام وأتباعه. وهو ليس كتلة متجانسة من الخير طبعا. إنه شيء يشبه سورية التي تتطلع بعد عقود طويلة من الطغيان إلى تمثيل نفسها وتشكيل نفسها في صورة جديدة. لكنه مدعو لأنه يشبه الثورة السورية في دينامكيتها وإبداعها، وليس المعارضة السورية التقليدية في بطئها وخمولها وعجزها عن الإتيان بجديد في أي مجال.
5. الرئيس الأسد أصدر مرسوماً لتشكيل هيئة لتعديل الدستور. هل تتوقع أن يطال هذا التعديل المادة الثامنة؟
لا أهمية لذلك على الإطلاق، سواء طال الأمر المادة الثامنة أم لا. أفهم أن يحكم هناك رئيسان أو أكثر وفق الدستور نفسه، أما أن يحكم الرئيس نفسه بدستورين، فهذا يدل على أن الحكم غير دستوري بالمرة، وعلى أن الدستور لا قيمة له، وأن الرئيس وإرادته هو الدستور الفعلي. وأظن أن الكلام على الدستور اليوم هو مناورة إضافية لا قيمة لها مثل الكلام على قانون للأحزاب وآخر للانتخابات وثالث للإعلام... النظام هو الرئيس والمخابرات والحكم المطلق القائم على هوى والنفاذ الامتيازي غير المراقب وغير المقيد إلى الموارد الوطنية العامة من قبل طغمة الحكم المطلق. هذا ما يجب أن يتغير، وهذا ما يثور السوريون ضده. أما الدستور فقد كان دوما "مثل قلته". وهو اليوم "مثل قلته" إن لم يتغير النظام جذريا. ليس تغيير الدستور هو ما يعدل أي شيء في النظام. ينبغي تغيير النظام من أجل أن يكون للدستور أي شأن.
والدستور، في كل حال ينبغي أن يصدر عن جمعية تأسيسية منتخبة، كما ذكر المحامي عبد الحي السيد الذي انسحب من الهيئة (كان أُدرِج اسمه فيها دون إبلاغه)، وليس عن بيروقراطيين يضعهم الحاكم، ويدينون له بالولاء، وبعضهم سمعتهم في الحضيض.
6. كيف تقوم الموقف التركي من الأزمة السورية خصوصاً بعد عودة الاتصال بين اردوغان والأسد وبعد استقبال القيادة التركية لممثلي المجلس الوطني السوري؟
لا أرى أن تُعلَّق أهمية كبرى على استقبال مسؤولين أتراك لممثلي المجلس الوطني. قبل تشكل المجلس كانت تركيا والدول الغربية تواري ارتباكها في التعامل مع الملف السوري خلف غياب إطار منظم للمعارضة. بعد تشكل المجلس صار هذا الارتباك ظاهرا للعيان. ترى تركيا، مثل غيرها، أن النظام يتصرف بصورة غير مسؤولة، وتعرف كما يعرف الجميع أن لا عزيز عليه في هذه الدنيا غير البقاء في الحكم إلى الأبد، ولو دمر مدينة أو مدينتين، وقتل مليونا أو مليونين. وهي تخشى أن هذا سيؤدي إلى تحول سورية إلى بؤرة اضطراب وعدم استقرار في المنطقة، وهذا ما يضطرها إلى التعبير عن الغضب منه. لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط في الداخل السوري لأن ذلك مكلف، ولأنه لا يبدو حلا لأي مشكلة.
ويبدو لي أن اتصال أرودغان بالرئيس السوري يعكس هذا الارتباك أو عجز الحكومة التركية عن بلورة سياسة سورية واضحة لها. قد يتمثل تفضيل الأتراك في أن يحافظوا على اتصال بجميع الأطراف السورية بما يبقيهم في وضع مرجعي لا يُستغنى عنه، وقد ينفع كثيرا في وقت قريب.
7. الأنظمة العربية منذ بداية الحركة الاحتجاجية في سورية لم تتخذ أي مبادرة لمعالجة الأزمة السورية بإستثناء ما طرحته جامعة الدول العربية مؤخراً عبر توجيه دعوة لفتح حوار بين المعارضين والنظام. كيف تفسر هذا الصمت العربي؟ وما هو السيناريو المتوقع في حال رفض النظام السوري مبادرة الجامعة العربية؟
قبل كل شيء لأكثر الدول العربية بنية تشبه النظام، لذلك يتعارض منطقها البنيوي مع اعتبارات سياسية تفرضها عليها اليوم الخشية من سلوك النظام غير المسؤول من وجهة نظر مصالح استمراريته هو، واستقرار النظام العربي ككل؛ وتفرضها أيضا ضغوط قوى اجتماعية وسياسية داخلها، ومواقف القوى الغربية المتحفظة على النظام. الدول العربية، مثل القوى الغربية ذاتها، تريد تعقيل النظام، أو إنقاذه من نفسه وليس بحال إنقاذ سورية منه. ولذلك تقدم مبادرات تعتبر النظام معطى أساسيا وثابتا. وهي تصطدم في ذلك مع بنية النظام المتصلبة والمتطرفة وغير العقلانية، وبالتحديد إصراره على أن يحتفظ لنفسه اليوم ودوما بـ 100% من السلطة، ومثلها من الهيمنة على الإعلام وعلى الموارد العامة. ولن يتغير الأمر هذه المرة. سيراوغ النظام وبتلاعب، وربما يحاول اختراع معارضين مناسبين يتفاوض معهم، على شاكلة الوفد الذي قصد روسيا قبل حين.
لن تتمخض المبادرة العربية عن شيء، وإن كنت أرى أن ينفتح عليها المجلس الوطني، ويضع شروطه للتفاوض، ويُضمِّنها تصوره للتغير المطلوب في البلد. هذا أفضل من الرفض السلبي، لأنه يجعل من المبادرة العربية فرصة لمخاطبة الشعب السوري والدول العربية والعالم، وتعرف الجميع بقضية الثورة السورية والتعريف بتوجهات المعارضة.
النظام لا يتفاوض، ولن يتفاوض، وعلى المعارضة أن تستغل أية فرصة لكشف تطرفه ورفضه الجوهري للتفاوض. لا أتوقع شيئا دراميا من فشل المبادرة العربية. وسيصعب الحصول على إجماع من أجل تجميد عضوية سورية في الجامعة. لكن ربما تعترف بعض الدول بالمجلس الوطني وتقطع نهائيا مع النظام.
8. هل ما زلت تراهن على حركة الشارع السوري؟ وهل استطاع النظام قضم الحركة الاحتجاجية بشكل تدريجي خصوصاً أن الحراك الميداني يقتصر على مناطق محددة؟
لا رهان على غير "حركة الشارع السوري". لقد غيّر سورية سلفا تغييرا لا رجعة عنه.
حركة الثورة متموجة، ليست مسار توسع موصول لا تعرجات فيه.
وبينما يبقى احتلال الفضاء العام عبر المظاهرات والاعتراض العلني على النظام فيه الشكل الاحتجاجي الأساسي للثورة السورية، فإن من المهم تنويع أشكال النضال، كي نصل في وقت ما إلى الإضراب الوطني العام. قد يقتضي ذلك بروفات محلية وتجارب تشهر قضية الثورة، وتكون أقل كلفة بشرية. هذا قد يجر قطاعات أوسع من الجمهور الصامت اليوم إلى المشاركة في الثورة.
أتصور أن الشهور القليلة القادمة حاسمة. وأن النظام سينكسر في النهاية تحت ضغط الثورة وتصلب بنيته هو.
1. الحركة الاحتجاجية في سورية على مشارف الشهر التاسع وحتى اللحظة يبدو أن هناك حال من الجمود المتوازن بين النظام والمعارضة السورية الخارجية منها والداخلية. ما رأيك في ذلك؟ وأي طرف من أطراف الأزمة السورية أثبت قدرته على تجاوز الستاتيكو الراهن المعارضة أم النظام؟
الثورة السورية في مطالع شهرها الثامن وليس التاسع.
هناك طرف مُراجِع للأوضاع القائمة هو قطاعات ناشطة عريضة من الشعب السوري، وهناك نظام لا قضية عامة إيجابية له، يواجه الثورة بالتنكيل الوحشي، ولم يفكر في أي لحظة في فتح مخرج يعود بمكاسب فعلية على الشعب. وأعتقد أن مسار أكثر من 7 أشهر يقول إن هذا النظام غير أمين على سورية، شعبا ووطنا ودولة، وينبغي أن يزول اليوم قبل الغد. هذا من باب قول الشيء الأساسي، قبل الدخول في أي مناقشة سياسية.
ليس هناك جمود. لا شيء جامد في سورية اليوم. هناك إزاحة متدرجة لجبال من الخوف، وزحزحة تأخذ وقتا لأهرامات قمعية، وتفكيك وئيد لكن موصول لنظام راكم طوال عقود أسلحة يستخدمها اليوم ضد الثورة. لكن النظام عاجز عن إخماد الثورة مهما فعل، لعدالة قضيتها واتساع قاعدتها، ولاقتناع عموم السوريين بأن من شأن خمود ثورتهم أن يكون بداية عهد أشد وحشية بعدُ من كل ما خبروا.
ما حرك الأوضاع في سورية هو الثورة، وما هو مؤهل لكسر الستاتيكو هو الثورة. ومن شأن انضمام المعارضة إلى قضية الثورة دون لبس أن يسهم أكثر في كسر الستاتيكو. المصلحة الوطنية السورية ومقتضيات العدالة والإنسانية تقضي بضرورة التخلص من هذا النظام.
2. ثمة اتجاه يقول إن النظام السوري استطاع تخطي المرحلة وبأنه يملك من المقومات البنيوية التي تجعله أكثر قدرة على التعامل مع التحولات رغم الضغوط الدولية. ما هي انعكاسات ذلك على الحراك الميداني أولاً؟ وهل دور سورية الاستراتيجي عبر قنواته الاقليمية يعزز هذا الاتجاه؟
أعتقد أن هذا الكلام يتضمن رغبات قائليه وليس شيئا عن واقع الحال السوري.
أنا أرى شيئا إيجابيا في وقوف الضغوط الدولية حيث هي واقفة، لأنها تبقي قضية الشعب السوري بين يديه وتضعه وحيدا في مواجهة مضطهديه وناهبيه. ولقد أظهر السوريون من الشجاعة والإبداعية والتضحية ما لم يتوقعه أحد. ورغم الضحايا والشهداء والمعذبين، والمخاطر المحتملة على المجتمع السوري بفعل تصرف النظام كشبيح عام، إلا أن طول أمد الثورة السورية هو فرصة لتحرر أعداد أكبر من الأفراد ولتدرب سوريين كثيرين على التفكير في الشأن العام والانخراط فيه. هذا طيب، ومن أثمن ما أثمرته الثورة حتى اليوم.
النشاط الاحتجاجي مستمر بقوة ويوميا كما ترين. يحصل أن ينفعل ثائرون سوريون هنا أو هناك تحت تأثير ما يلحق بهم وبأوساطهم الاجتماعية من قتل ودمار وتنكيل، فيطلبون تدخلا دوليا، لكن همة الثورة السورية ككل لم تفتر، وهي لا تكف عن التجدد بصورة مذهلة حتى في البؤر التي ظن النظام أنه سحقها وتمكن من إخمادها، كالرستن وتلبيسة وجسر الشغور وغيرها. النظام كان دوما "دولة خارجية"، تلغي الداخل الوطني وتثبت نفسها من خلال "الدور الإقليمي"، أي جعل نفسها ضرورية للقوى الدولية الفاعلة. وهو اليوم يعمل على تثمير هذا الرصيد، لكن بفاعلية متناقصة، لا يبدو أنها تسعفه في مواجهة الثورة في الداخل.
3. المعارضة السورية اليوم انقسمت الى قسمين: قسم خارجي يمثله المجلس الوطني السوري وقسم داخلي تمثله هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي. ما رأيك بهذه الثنائية؟ وما الذي تحتاج المعارضة السورية لتوحيد صفوفها؟
هذا الكلام على قسمين داخلي وخارجي للمعارضة انطباعي وخاطئ، حين لا يكون تضليلا متعمدا. الثورة هي الداخل السوري بالمعنى الاجتماعي والديناميكي للكلمة، ولا تتوحد المعارضة إلا عبر انخراطها في حركة الثورة دعمها بسبل متنوعة. ولا لزوم لوحدتها أصلا، ولا جدوى من وحدتها، لغير القيام بهذا الواجب الكبير.
وحتى من ناحية شكلية، يضم المجلس الوطني قوى منظمة داخل البلاد: مثل "إعلان دمشق"، ومثل هيئات تنسيق متنوعة منخرطة في الثورة. وتعلمين أنه نال شرعية داخلية مبدئية في جمعة "المجلس الوطني يمثلني" يوم 7/10. أما أنه يعقد اجتماعاته خارج البلاد، فلأن النظام يستهدفه كما تعلمين أيضا: مشعل التمو اغتيل، ورياض سيف ضرب وكسرت يده، وتعلمين التهديد الذي نطق به وليد المعلم ضد الدول التي تعترف بالمجلس.
وأخشى أن الكلام على معارضة خارجية هي المجلس وداخلية هي هيئة التنسيق يندرج في مسعى النظام لتمزيق المعارضة، وتخوين "الخارجيين" وتأليف قلوب "الداخليين". ومن المؤسف أن يكرر معارضون هذا التصور الخاطئ من وجهة نظر الحقيقة والضار من وجهة نظر العمل. هذا مسيء للقضية العامة في رأيي.
4. انتقد جزء من المعارضين من بينهم هيثم منّاع المجلس الوطني السوري بسبب سيطرة التيار الإسلامي عليه. ما رأيك في ذلك؟ وما هو تفسيرك لحضور حركة الاخوان المسلمين بهذا الزخم في المؤتمرات الخارجية؟
ليس صحيحا في تصوري أن الإسلاميين يسيطرون على المجلس. أخمن أن بعض الإسلاميين يعتبرون أن علمانيين هم المسيطرون على المجلس.
ويبدو لي أن مشاركة الإخوان في كل أنواع المؤتمرات، وبعضها تظاهرات إعلامية لا أكثر ولا أقل، ربما تكون مؤشرا على ضعف ثقتهم بوزنهم الداخلي وبدورهم في الثورة، ومحاولة التعويض بالظهور الإعلامي.
لكن الإسلاميين متنوعون، إن في المجلس أو في الواقع، وبينهم تجاذبات لا تقل عن تلك القائمة بين صفوف "العلمانيين". وضمن أطياف المجلس ككل هناك تجاذبات متنوعة، بعضها يأتي من حداثة التجربة وقلة الخبرة، وبعضها من تنوع واختلاف الرؤى والتوجهات داخله. وربما تكون تجاذبات داخلية في المجلس هي السبب في ضعف فاعليته بعد أكثر من 3 أسابيع على تشكله. وأرى أن الثورة السورية لن تعطي المجلس تفويضا مفتوحا. فإما أن يكون فاعلا وعلى الفور، وإلا فإن حركة الثورة ستتجاوزه كما تجاوزت غيره.
وبنظرة عامة ليس المجلس كتلة متجانسة من الشر إلا من وجهة نظر النظام وأتباعه. وهو ليس كتلة متجانسة من الخير طبعا. إنه شيء يشبه سورية التي تتطلع بعد عقود طويلة من الطغيان إلى تمثيل نفسها وتشكيل نفسها في صورة جديدة. لكنه مدعو لأنه يشبه الثورة السورية في دينامكيتها وإبداعها، وليس المعارضة السورية التقليدية في بطئها وخمولها وعجزها عن الإتيان بجديد في أي مجال.
5. الرئيس الأسد أصدر مرسوماً لتشكيل هيئة لتعديل الدستور. هل تتوقع أن يطال هذا التعديل المادة الثامنة؟
لا أهمية لذلك على الإطلاق، سواء طال الأمر المادة الثامنة أم لا. أفهم أن يحكم هناك رئيسان أو أكثر وفق الدستور نفسه، أما أن يحكم الرئيس نفسه بدستورين، فهذا يدل على أن الحكم غير دستوري بالمرة، وعلى أن الدستور لا قيمة له، وأن الرئيس وإرادته هو الدستور الفعلي. وأظن أن الكلام على الدستور اليوم هو مناورة إضافية لا قيمة لها مثل الكلام على قانون للأحزاب وآخر للانتخابات وثالث للإعلام... النظام هو الرئيس والمخابرات والحكم المطلق القائم على هوى والنفاذ الامتيازي غير المراقب وغير المقيد إلى الموارد الوطنية العامة من قبل طغمة الحكم المطلق. هذا ما يجب أن يتغير، وهذا ما يثور السوريون ضده. أما الدستور فقد كان دوما "مثل قلته". وهو اليوم "مثل قلته" إن لم يتغير النظام جذريا. ليس تغيير الدستور هو ما يعدل أي شيء في النظام. ينبغي تغيير النظام من أجل أن يكون للدستور أي شأن.
والدستور، في كل حال ينبغي أن يصدر عن جمعية تأسيسية منتخبة، كما ذكر المحامي عبد الحي السيد الذي انسحب من الهيئة (كان أُدرِج اسمه فيها دون إبلاغه)، وليس عن بيروقراطيين يضعهم الحاكم، ويدينون له بالولاء، وبعضهم سمعتهم في الحضيض.
6. كيف تقوم الموقف التركي من الأزمة السورية خصوصاً بعد عودة الاتصال بين اردوغان والأسد وبعد استقبال القيادة التركية لممثلي المجلس الوطني السوري؟
لا أرى أن تُعلَّق أهمية كبرى على استقبال مسؤولين أتراك لممثلي المجلس الوطني. قبل تشكل المجلس كانت تركيا والدول الغربية تواري ارتباكها في التعامل مع الملف السوري خلف غياب إطار منظم للمعارضة. بعد تشكل المجلس صار هذا الارتباك ظاهرا للعيان. ترى تركيا، مثل غيرها، أن النظام يتصرف بصورة غير مسؤولة، وتعرف كما يعرف الجميع أن لا عزيز عليه في هذه الدنيا غير البقاء في الحكم إلى الأبد، ولو دمر مدينة أو مدينتين، وقتل مليونا أو مليونين. وهي تخشى أن هذا سيؤدي إلى تحول سورية إلى بؤرة اضطراب وعدم استقرار في المنطقة، وهذا ما يضطرها إلى التعبير عن الغضب منه. لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط في الداخل السوري لأن ذلك مكلف، ولأنه لا يبدو حلا لأي مشكلة.
ويبدو لي أن اتصال أرودغان بالرئيس السوري يعكس هذا الارتباك أو عجز الحكومة التركية عن بلورة سياسة سورية واضحة لها. قد يتمثل تفضيل الأتراك في أن يحافظوا على اتصال بجميع الأطراف السورية بما يبقيهم في وضع مرجعي لا يُستغنى عنه، وقد ينفع كثيرا في وقت قريب.
7. الأنظمة العربية منذ بداية الحركة الاحتجاجية في سورية لم تتخذ أي مبادرة لمعالجة الأزمة السورية بإستثناء ما طرحته جامعة الدول العربية مؤخراً عبر توجيه دعوة لفتح حوار بين المعارضين والنظام. كيف تفسر هذا الصمت العربي؟ وما هو السيناريو المتوقع في حال رفض النظام السوري مبادرة الجامعة العربية؟
قبل كل شيء لأكثر الدول العربية بنية تشبه النظام، لذلك يتعارض منطقها البنيوي مع اعتبارات سياسية تفرضها عليها اليوم الخشية من سلوك النظام غير المسؤول من وجهة نظر مصالح استمراريته هو، واستقرار النظام العربي ككل؛ وتفرضها أيضا ضغوط قوى اجتماعية وسياسية داخلها، ومواقف القوى الغربية المتحفظة على النظام. الدول العربية، مثل القوى الغربية ذاتها، تريد تعقيل النظام، أو إنقاذه من نفسه وليس بحال إنقاذ سورية منه. ولذلك تقدم مبادرات تعتبر النظام معطى أساسيا وثابتا. وهي تصطدم في ذلك مع بنية النظام المتصلبة والمتطرفة وغير العقلانية، وبالتحديد إصراره على أن يحتفظ لنفسه اليوم ودوما بـ 100% من السلطة، ومثلها من الهيمنة على الإعلام وعلى الموارد العامة. ولن يتغير الأمر هذه المرة. سيراوغ النظام وبتلاعب، وربما يحاول اختراع معارضين مناسبين يتفاوض معهم، على شاكلة الوفد الذي قصد روسيا قبل حين.
لن تتمخض المبادرة العربية عن شيء، وإن كنت أرى أن ينفتح عليها المجلس الوطني، ويضع شروطه للتفاوض، ويُضمِّنها تصوره للتغير المطلوب في البلد. هذا أفضل من الرفض السلبي، لأنه يجعل من المبادرة العربية فرصة لمخاطبة الشعب السوري والدول العربية والعالم، وتعرف الجميع بقضية الثورة السورية والتعريف بتوجهات المعارضة.
النظام لا يتفاوض، ولن يتفاوض، وعلى المعارضة أن تستغل أية فرصة لكشف تطرفه ورفضه الجوهري للتفاوض. لا أتوقع شيئا دراميا من فشل المبادرة العربية. وسيصعب الحصول على إجماع من أجل تجميد عضوية سورية في الجامعة. لكن ربما تعترف بعض الدول بالمجلس الوطني وتقطع نهائيا مع النظام.
8. هل ما زلت تراهن على حركة الشارع السوري؟ وهل استطاع النظام قضم الحركة الاحتجاجية بشكل تدريجي خصوصاً أن الحراك الميداني يقتصر على مناطق محددة؟
لا رهان على غير "حركة الشارع السوري". لقد غيّر سورية سلفا تغييرا لا رجعة عنه.
حركة الثورة متموجة، ليست مسار توسع موصول لا تعرجات فيه.
وبينما يبقى احتلال الفضاء العام عبر المظاهرات والاعتراض العلني على النظام فيه الشكل الاحتجاجي الأساسي للثورة السورية، فإن من المهم تنويع أشكال النضال، كي نصل في وقت ما إلى الإضراب الوطني العام. قد يقتضي ذلك بروفات محلية وتجارب تشهر قضية الثورة، وتكون أقل كلفة بشرية. هذا قد يجر قطاعات أوسع من الجمهور الصامت اليوم إلى المشاركة في الثورة.
أتصور أن الشهور القليلة القادمة حاسمة. وأن النظام سينكسر في النهاية تحت ضغط الثورة وتصلب بنيته هو.
25 أكتوبر, 2011
حوار عن السجن والثورة والمثقفين
أسئلة راشد عيسى
- وددت دائماً أن أسأل السجناء السابقين؛ ماذا يعلم السجن؟ ماذا علمتك سبعة عشر سنة في السجن؟ أي طعم يبقى منه؟ متى يعاود الظهور في حياتك اليومية؟
16 سنة فقط، وليس 17. كان السجن طفولة ثانية لي، وكنت محتاجا لها. طفولتي الأولى لم تكن كافية من أجل تأهيل مناسب للحياة. أكثر من أنه علمني أشياء، السجن أعاد تكويني. عبر الصراع مع شرط السجن نفسه، ومع النفس، كان السجن في المحصلة تجربة انعتاق، تخلصت فيه من سجون أخرى. أتطلع إلى وقت يكتمل فيه هذا الانعتاق بأن يتسنى لي يوما زيارة السجون التي قضيت فيها سنوات طوالا. أحب أن أستعيد "ملاعب" تلك الطفولة الأخرى.
يبقى من السجن السجين. بعد 16 عاما هي كل سنوات الشباب، يكف السجن عن كونه تجربة عارضة، ليمسي جزءا من كيانك، شيئا تحمله معك أينما ذهبت. لا يعاود الظهور، هو موجود هناك دوما، في الداخل.
لكني أدين للسجن بما أعيش منه اليوم. وربما بقدر من الانضباط العملي والنفسي روضتُ نفسي عليه هناك، ووجدته مثمرا. لكن طبعا لست راغبا بتكرار التجربة. النتيجة ليست مضمونة أبدا. وعمري لم يعد مناسبا.
- الجديد لديك تجربة "التواري" خوفاً من السجن، كيف تصف هذه التجربة؟ أي مصاعب؟ غريب أن أسمعك تقول إنك صرت أكثر حرية مع هكذا تجربة؟ الغريب أكثر أن التجربة (تجربة التواري)، في ما يبدو، تمنحك القدرة أكثر على الإنتاج. نرى جميعاً أنك تكتب بغزارة ربما غير مسبوقة؟
هذه تجربة اختيارية، في بداياتها على الأقل. لكنها تشبه السجن من حيث كونها قطيعة في نظام الحياة الذي كان استقر أمري عليه. في الأسابيع الأولى كنت شبه آسف على هذا الانقطاع، على الابتعاد عن كتبي خاصة. طوال شهور بعد الثورة لم اقرأ كتبا، واليوم أقرأ اقل من نصف ما كنت أقرأ قبل الثورة وبتركيز أقل.
لكن الانخراط في الثورة فرض نفسه كأولوية على كل شيء آخر. ولقد أتيحت لي ظروف عيش مقبولة، خلافا لأكثر أصدقائي الشباب للأسف. ولذلك لا تكاد تكون هناك صعوبات كبرى لا تطاق. بالطبع أرى أصدقائي أقل، ولا أرتاد أماكن عامة، ولم أعد استخدم الهاتف. لكن هذه صعوبات لا يعسر التعايش معها. الشيء الوحيد الذي كان يمكن اعتباره صعوبة لا تطاق هو عدم القدرة على الكتابة التي هي المصدر الوحيد لدخلي. لكن، بالعكس، أعمل اليوم أكثر من قبل كما لاحظتَ. متفرغ تماما لمتابعة مسارات الثورة والكتابة عنها، وعن الشأن السوري حصرا. الكتابة هي شكل مساهمتي شبه الوحيد في الثورة.
وفي هذا النطاق وحده صرت أكثر حرية. أكتب اليوم دون رقابة ذاتية أو بأدنى قدر منها. مراكبي احترقت، فإما الفوز بهذه المعركة، وإلا لا أدري ما سيكون نصيبي من انسحاق لا شك سيصيب المجتمع السوري كله.
- في الأشهر الأولى للثورة كنت ما زلت تتحرك هنا وهناك، ماذا رأيت؟ أي صور علقت لديك؟ أي مشاهد مؤثرة؟
مشاركاتي الميدانية محدودة، ولا أستطيع منافسة شباب الثورة على رصيدهم الحي والمتجدد من تجارب الكفاح وقصصه، ومن محنه في السجن والتعذيب. لكن القليل الذي رأيته وشهدته بنفسي يكفي للقول إن الثورة السورية هي ثورة العاديين من الناس، وأنها بصورة ما ثورة ضد الغرور وكل ما هو مغرور، غرور السلطة، وغرور الأشخاص، وغرور الإيديولوجية، وغرور المثقفين وغرور الأحزاب. المغرورون جميعا ضد الثورة، بالمقابل.
والشيء الذي لا أنساه شخصيا أني لم أتحكم بنفسي، وبكيت طويلا أثناء تشييع جنازة بعض الشهداء المبكرين في دوما.
- الكل يتحدث عن مفاجآت كثيرة في هذه الثورة، من اندلاعها، إلى الأمكنة التي اندلعت منها، وحتى شعاراتها، ماذا عنك؟ أنت الذي قلت إن الأشهر السبعة الماضية كانت الأعظم في تاريخ سوريا منذ الاستقلال..
أنا أيضا تفاجأت. قبل حين كنت أراجع بعض موادي خلال السنوات الماضية، وبدا أن بعضها تتوقع تغيرا كبيرا. لكن ربما يتوقع عملك شيئا لا تتوقعه شخصيا.
كنت قريبا من دوائر الشباب الذي قاموا ببعض البروفات الأولى للثورة، لكن ثورة وطنية واسعة النطاق، وعلى هذا القدر من الصلابة والاستمرارية، كان متجاوزا لأوسع آمالنا. هناك في تقديري ثلاثة أشياء تقولها هذه الثورة غير المتوقعة. أولا إن هناك معارضة كامنة كبيرة في المجتمع السوري لم تكن المعارضة التقليدية، وأنا منحدر منها، قادرة على التواصل معها، ولا تملك أدوات تنشيطها وتحويلها إلى معارضة فاعلة. وثانيا إن من شأن وجود نموذج إيجابي عربي أن يكون محفزا للسوريين على تغيير أوضاعهم السياسية. ولقد كان المثالان التونسي والمصري ملهمين بقدر هائل للسوريين، وكان مشجعا أيضا إقدام البحرانيين والليبيين واليمنيين على تحدى أنظمة مشابهة لنظامنا، وإن تكن أقل وحشية. وأخيرا، سلوك النظام ذاته أثناء الثورة، وقد جمع بين الغرور والوحشية والتصلب والرفض المطلق للاعتراف بوجود فاعلين أو أطراف سياسية مستقلة في البلد غيره، أو حتى الاعتراف بآدمية عموم السوريين وحقهم في الحياة. وأقدر أن هذا السلوك الإجرامي دفع كثيرين إلى الانخراط في الثورة دون مرور بطور المعارضة الكامنة. الشيء المثير في الثورة السورية والثورات العربية عموما أن أكثر الثائرين لم يكونوا ثوريين سابقا، ولم يكن بقي ثوريون في مجتمعاتنا أصلا (الصيغ الأقدم للنزعة الثورية تجد نفسها ضد الثورة أو غير مرتاحة لها). أكثر الثائرين هم أناس عاديون، حفزهم إلى الثورة تطلع إلى تغيير حياتهم وإرادة أن يُسمعوا كلمتهم وأن يُعترف بكيانهم وأن يكون لهم شأن، وهذا في مواجهة هياكل سياسية مغلقة ومتصلبة، لا توفر معنى لحياة أكثرية السكان. هذا لا يلغي إمكانية وفائدة تحليلات اجتماعية واقتصادية وديمغرافية، لكنه يتنبه أكثر إلى محفزات الثورة المباشرة، أو إلى "العامل الذاتي" فيها.
- لا يبدو أنك منخرط في العمل السياسي، كما يبدو من غياب اسمك عن كل التشكيلات تقليدية كانت أم مستجدة، هل اخترت اعتزال السياسة لصالح الكتابة؟ هل يرضيك هذا الدور أكثر؟
لست بعيدا عن الثورة وسياستها، لكني غائب عن الأشكال التنظيمية والحزبية لعمل المعارضة. لا قلب لي ذلك. أجد في عملي متعة ورضا يحولان دون أن أنجذب إلى شيء آخر. وأظن أن الثورة في حاجة إلى تنظيم فكري (هو ما أحاول المساهمة فيه) بقدر لا يقل عن حاجتها إلى تنظيم سياسي من النوع الذي يحاول المجلس الوطني السوري اليوم توفيره، وإلى تنظيم ميداني هو ما يقوم به الشباب والناشطون الميدانيون.
لست صالحا للعمل في أية هيئات منظمة، ولا تجتذبني السياسة العملية، لكني أقرب إلى تشكيلات سياسية من غيرها، ومنحاز علنا إلى المجلس الوطني. أظنه إطار العمل الوطني الأقدر على التطور، وعلى اجتذاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج.
- وهنا لا بد من السؤال عن دور الكتاب والمثقفين السوريين في ثورة بلدهم؛ هل توافق على أن هناك انشقاقاً كبيراً ومفاجئاً بين من هم مع النظام وضده؟ كيف تفسر؟ الأمر ينطبق على مثقفين عربا وقفوا بصورة أو بأخرى مشككين بثورة السوريين؟
لدي متعة لئيمة في مراقبة تحولات مثقفين سوريين بعد الثورة.
يبهجني تلون مثقفين مكرسين، وإمعان بعضهم في التعالم والانفصال النفسي عن الثورة وعملياتها وإنسانيتها. والغريب أنهم لم يكتبوا أيضا شيئا ذا قيمة. يمكن للمرء أن يكون ضد الثورة، وأن يقول أشياء مفيدة مع ذلك. أما أن تكون ضد الحدث الأكبر والأكثف بالدلالات في تاريخ بلدك المعاصر، ولعله من الأكبر في تاريخ منطقتنا، ثم لا تكاد تقول عنه إلا ما يشبه كلام صحفيي النظام، فهذا لا يحدث إلا إذا أراد الله أن يبهدل عبدا.
وبين عموم المثقفين أحدثت الثورة فرزا ضروريا. كان هناك من يزعم لنفسه استقلالية أو معارضة من نوع ما، فاضطرته الثورة أن يظهر على ولائه الصميم للنظام. وكان هناك مثقفون مستقلون، أرادوا أن يكونوا هنا وهناك وهنالك، لكن الثورة ألزمتهم بأن يكونوا في مكان محدد، ووقف كثيرون منهم إلى جانبها. الثورة لا تترك أحدا "من شرها"، ولا يستطيع مشتغل بالشأن العام أن يبقى حياديا حيالها.
لكن هذه العمليات لا تزال في بداياتها. إلى جانب الزلزال السياسي والاجتماعي، أظننا سنرى، ونرى منذ الآن، زلازل ثقافية وإيديولوجية. وجيلية طبعا.
- انت كذلك اعتزلت مهنة الطب، خرجت من السجن لتتابع دراسة الطب، لتعتزله من ثم، أي معنى لذلك؟
الخارج من حبس مديد يحتاج إلى فترة "روداج"، مرحلة وسيطة بين السجن وبين "الحرية". حاله مثل من يخرج من مكان معتم إلى آخر ساطع الإضاءة، يلزم وقت كي تجري عيناه عملية المطابقة فيرى على نحو سليم. كانت 3 سنوات ونصف قضيتها في الجامعة فترة المطابقة اللازمة. استعدت خلالها ثقة بالنفس كنت مفتقرا إليها، وعرفت يقينا أني لا أريد ممارسة الطب. وخلال ذلك الفاصل ترجمت أشياء وكتبت أشياء، كانت بداية لمسار مهني مغاير.
- كيف تشعر (لا أقول كيف ترد، لأنني أعرف أن الأمر خارج أي منطق) حين يكتب عنك بأنك وزير إعلام لإمارات سلفية، أو راع لعصابات مسلحة؟
هذا كلام أبله ووضيع طبعا. لكنه ليس بلا معنى. أظن أن كثرة التهجمات علي وعلى مثقفين معارضين آخرين في الشهور الأخيرة وجه من أوجه الصراع المركب الذي فجرته الثورة السورية. صراع سياسي وإيديولوجي بين الثورة ومعسكر المنتفعين المتنوعين من النظام، وبمساهمة لبنانية مهمة، ما دامت أكثر التهجمات علي أتت من لبنانيين. وليس مفاجئا في تقديري درك الانحطاط الذي يمكن أن يبلغه خصوم الثورة، لكن اللافت فيه أنه يجمع بين الجبن والمراوغة. بدل أن يقول الجماعة صراحة إنهم ضد ثورة مناهضة للطغيان، يفضلون وصف المنحازين للثورة بالاستبداد والدكتاتورية. غرضهم القول إنه لا قضية لنا، أي إعدامنا معنويا، وهو ما يسهل أمر إعدامنا فعليا.
ولا يبعد أن قصة العصابات المسلحة بالذات تتجاوز الرغبة في التشويش وإثارة البلبلة وخلط الجابل بالنابل إلى توفير سردية يمكنها أن تبرر، ولو جزئيا، أي مستوى من العنف قد أتعرض له.
على أني أجد في هذه الكتابات شيئا مبهجا. حين يبلغ الأمر خلال شهور قليلة درجة قول أشياء لا تصدق، مثل أن لدي عصابات مسلحة، فهذا يعنى أن قضيتنا تتقدم بسرعة، وأن أعصاب القوم فلتانة وتوشك أن تتحطم.
- كيف تفسر خريطة الاحتجاجات في سوريا؟ لماذا هذه المدينة، القرية دون غيرها؟ ولماذا من دون حلب؟
يمكن أن نجازف بعدة تفسيرات منها ما يتعلق بتكوين سوق العمل الجديدة التي تشكلت بفعل لبرلة مشوهة للاقتصاد في السنوات الأخيرة، وهي سوق منحازة للمدن على حساب الأرياف، ولمراكز المدن على حساب الأحياء الطرفية والضواحي.
ويمكن أن نفكر في كثافة حضور أجهزة النظام وكثافة روابطه بالنخب المحلية، وهذا مميز في حلب ودمشق.
لكن قد يكون للأمر علاقة بالطاقة الكامنة على التطور الفردي والجمعي يبدو أنهما يميزان البؤر الأنشط للثورة. هذه الطاقة معاقة بسبب البنية الامتيازية للنظام، وهامشية قيم العمل والمعرفة فيه. جمهور الثورة هو "مجتمع العمل" (مقابل مجتمع السلطة والامتياز). وهو يتطلع في آن إلى مزيد من الحرية ومزيد من الانضباط والمعايير. بينما مجتمع السلطة والامتياز متهتك لا ضوابط له، واستبدادي لا يقر بحرية لغيره. ويحرك الثورة أيضا تمرد عام على التهميش. ترى هذا الانبعاث المدهش لبلدات وأحياء ومدن، مئات منها، وظهور أسماء وصور لنساء ورجال. فجأة تظهر سورية بلدا واسعا عميقا، منتجا للذاتيات الحرة، مجتمعا مركبا غنيا لا يريد أن يختزل إلى نظام مختزل بدوره إلى طغمة ضيقة.
نحتاج في كل حال إلى معلومات أكثر تفصيلا وأدوات تحليل أكثر ملاءمة. تلزم ثورة في التفكير من أجل فهم الثورة في الواقع.
- ما هو تصورك للمخرج من هذا الوضع؟
لا أرى مخرجا دون تغيير النظام هياكل وأشخاصا. سورية لن تتعافى دون ذلك. النظام القائم اليوم منبع فياض للتعسف والفوضى والتمييز والعنف والتطرف والسرية، أي للانحطاط العام، دون تعويض إيجابي من أي نوع وعلى أي مستوى. هذا يجب أن ينتهي، وهو ما قامت الثورة ضده.
هل يمكن أن يتحقق هذا تفاوضيا؟ يبدو أن الوقت فات. النظام يتصرف كأنه وحده له كرامة وهيبة، ولم يستطع أن يقبل كرامات لمحكوميه في أي وقت. لذلك يركز الثائرون السوريون على هذه النقطة حين يهينون النظام ويتعمدون تحقيره وتسفيه رجاله. لكن هذا يجعل الثورة أقرب إلى صراع مطلق: إما تباد الثورة على نحو ما أباد النظام حركة الاعتراض عليه قبل نحو ثلاثة عقود وحطم بيئاتها المتنوعة، أو يقضى على النظام تماما. لا يبدو أن هناك فرصة لحل وسط. النظام شديد التطرف ولم يقبل يوما التفاوض مع أحد من محكوميه، أو قبول المساواة معهم. وهذا يتسبب في انتشار مزاج عام منفعل ومضاد لأي تفاوض معه.
قد يكون هذا صراعا مأساويا، لكن المأساة "مكتوبة" في بنية النظام.
- وددت دائماً أن أسأل السجناء السابقين؛ ماذا يعلم السجن؟ ماذا علمتك سبعة عشر سنة في السجن؟ أي طعم يبقى منه؟ متى يعاود الظهور في حياتك اليومية؟
16 سنة فقط، وليس 17. كان السجن طفولة ثانية لي، وكنت محتاجا لها. طفولتي الأولى لم تكن كافية من أجل تأهيل مناسب للحياة. أكثر من أنه علمني أشياء، السجن أعاد تكويني. عبر الصراع مع شرط السجن نفسه، ومع النفس، كان السجن في المحصلة تجربة انعتاق، تخلصت فيه من سجون أخرى. أتطلع إلى وقت يكتمل فيه هذا الانعتاق بأن يتسنى لي يوما زيارة السجون التي قضيت فيها سنوات طوالا. أحب أن أستعيد "ملاعب" تلك الطفولة الأخرى.
يبقى من السجن السجين. بعد 16 عاما هي كل سنوات الشباب، يكف السجن عن كونه تجربة عارضة، ليمسي جزءا من كيانك، شيئا تحمله معك أينما ذهبت. لا يعاود الظهور، هو موجود هناك دوما، في الداخل.
لكني أدين للسجن بما أعيش منه اليوم. وربما بقدر من الانضباط العملي والنفسي روضتُ نفسي عليه هناك، ووجدته مثمرا. لكن طبعا لست راغبا بتكرار التجربة. النتيجة ليست مضمونة أبدا. وعمري لم يعد مناسبا.
- الجديد لديك تجربة "التواري" خوفاً من السجن، كيف تصف هذه التجربة؟ أي مصاعب؟ غريب أن أسمعك تقول إنك صرت أكثر حرية مع هكذا تجربة؟ الغريب أكثر أن التجربة (تجربة التواري)، في ما يبدو، تمنحك القدرة أكثر على الإنتاج. نرى جميعاً أنك تكتب بغزارة ربما غير مسبوقة؟
هذه تجربة اختيارية، في بداياتها على الأقل. لكنها تشبه السجن من حيث كونها قطيعة في نظام الحياة الذي كان استقر أمري عليه. في الأسابيع الأولى كنت شبه آسف على هذا الانقطاع، على الابتعاد عن كتبي خاصة. طوال شهور بعد الثورة لم اقرأ كتبا، واليوم أقرأ اقل من نصف ما كنت أقرأ قبل الثورة وبتركيز أقل.
لكن الانخراط في الثورة فرض نفسه كأولوية على كل شيء آخر. ولقد أتيحت لي ظروف عيش مقبولة، خلافا لأكثر أصدقائي الشباب للأسف. ولذلك لا تكاد تكون هناك صعوبات كبرى لا تطاق. بالطبع أرى أصدقائي أقل، ولا أرتاد أماكن عامة، ولم أعد استخدم الهاتف. لكن هذه صعوبات لا يعسر التعايش معها. الشيء الوحيد الذي كان يمكن اعتباره صعوبة لا تطاق هو عدم القدرة على الكتابة التي هي المصدر الوحيد لدخلي. لكن، بالعكس، أعمل اليوم أكثر من قبل كما لاحظتَ. متفرغ تماما لمتابعة مسارات الثورة والكتابة عنها، وعن الشأن السوري حصرا. الكتابة هي شكل مساهمتي شبه الوحيد في الثورة.
وفي هذا النطاق وحده صرت أكثر حرية. أكتب اليوم دون رقابة ذاتية أو بأدنى قدر منها. مراكبي احترقت، فإما الفوز بهذه المعركة، وإلا لا أدري ما سيكون نصيبي من انسحاق لا شك سيصيب المجتمع السوري كله.
- في الأشهر الأولى للثورة كنت ما زلت تتحرك هنا وهناك، ماذا رأيت؟ أي صور علقت لديك؟ أي مشاهد مؤثرة؟
مشاركاتي الميدانية محدودة، ولا أستطيع منافسة شباب الثورة على رصيدهم الحي والمتجدد من تجارب الكفاح وقصصه، ومن محنه في السجن والتعذيب. لكن القليل الذي رأيته وشهدته بنفسي يكفي للقول إن الثورة السورية هي ثورة العاديين من الناس، وأنها بصورة ما ثورة ضد الغرور وكل ما هو مغرور، غرور السلطة، وغرور الأشخاص، وغرور الإيديولوجية، وغرور المثقفين وغرور الأحزاب. المغرورون جميعا ضد الثورة، بالمقابل.
والشيء الذي لا أنساه شخصيا أني لم أتحكم بنفسي، وبكيت طويلا أثناء تشييع جنازة بعض الشهداء المبكرين في دوما.
- الكل يتحدث عن مفاجآت كثيرة في هذه الثورة، من اندلاعها، إلى الأمكنة التي اندلعت منها، وحتى شعاراتها، ماذا عنك؟ أنت الذي قلت إن الأشهر السبعة الماضية كانت الأعظم في تاريخ سوريا منذ الاستقلال..
أنا أيضا تفاجأت. قبل حين كنت أراجع بعض موادي خلال السنوات الماضية، وبدا أن بعضها تتوقع تغيرا كبيرا. لكن ربما يتوقع عملك شيئا لا تتوقعه شخصيا.
كنت قريبا من دوائر الشباب الذي قاموا ببعض البروفات الأولى للثورة، لكن ثورة وطنية واسعة النطاق، وعلى هذا القدر من الصلابة والاستمرارية، كان متجاوزا لأوسع آمالنا. هناك في تقديري ثلاثة أشياء تقولها هذه الثورة غير المتوقعة. أولا إن هناك معارضة كامنة كبيرة في المجتمع السوري لم تكن المعارضة التقليدية، وأنا منحدر منها، قادرة على التواصل معها، ولا تملك أدوات تنشيطها وتحويلها إلى معارضة فاعلة. وثانيا إن من شأن وجود نموذج إيجابي عربي أن يكون محفزا للسوريين على تغيير أوضاعهم السياسية. ولقد كان المثالان التونسي والمصري ملهمين بقدر هائل للسوريين، وكان مشجعا أيضا إقدام البحرانيين والليبيين واليمنيين على تحدى أنظمة مشابهة لنظامنا، وإن تكن أقل وحشية. وأخيرا، سلوك النظام ذاته أثناء الثورة، وقد جمع بين الغرور والوحشية والتصلب والرفض المطلق للاعتراف بوجود فاعلين أو أطراف سياسية مستقلة في البلد غيره، أو حتى الاعتراف بآدمية عموم السوريين وحقهم في الحياة. وأقدر أن هذا السلوك الإجرامي دفع كثيرين إلى الانخراط في الثورة دون مرور بطور المعارضة الكامنة. الشيء المثير في الثورة السورية والثورات العربية عموما أن أكثر الثائرين لم يكونوا ثوريين سابقا، ولم يكن بقي ثوريون في مجتمعاتنا أصلا (الصيغ الأقدم للنزعة الثورية تجد نفسها ضد الثورة أو غير مرتاحة لها). أكثر الثائرين هم أناس عاديون، حفزهم إلى الثورة تطلع إلى تغيير حياتهم وإرادة أن يُسمعوا كلمتهم وأن يُعترف بكيانهم وأن يكون لهم شأن، وهذا في مواجهة هياكل سياسية مغلقة ومتصلبة، لا توفر معنى لحياة أكثرية السكان. هذا لا يلغي إمكانية وفائدة تحليلات اجتماعية واقتصادية وديمغرافية، لكنه يتنبه أكثر إلى محفزات الثورة المباشرة، أو إلى "العامل الذاتي" فيها.
- لا يبدو أنك منخرط في العمل السياسي، كما يبدو من غياب اسمك عن كل التشكيلات تقليدية كانت أم مستجدة، هل اخترت اعتزال السياسة لصالح الكتابة؟ هل يرضيك هذا الدور أكثر؟
لست بعيدا عن الثورة وسياستها، لكني غائب عن الأشكال التنظيمية والحزبية لعمل المعارضة. لا قلب لي ذلك. أجد في عملي متعة ورضا يحولان دون أن أنجذب إلى شيء آخر. وأظن أن الثورة في حاجة إلى تنظيم فكري (هو ما أحاول المساهمة فيه) بقدر لا يقل عن حاجتها إلى تنظيم سياسي من النوع الذي يحاول المجلس الوطني السوري اليوم توفيره، وإلى تنظيم ميداني هو ما يقوم به الشباب والناشطون الميدانيون.
لست صالحا للعمل في أية هيئات منظمة، ولا تجتذبني السياسة العملية، لكني أقرب إلى تشكيلات سياسية من غيرها، ومنحاز علنا إلى المجلس الوطني. أظنه إطار العمل الوطني الأقدر على التطور، وعلى اجتذاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج.
- وهنا لا بد من السؤال عن دور الكتاب والمثقفين السوريين في ثورة بلدهم؛ هل توافق على أن هناك انشقاقاً كبيراً ومفاجئاً بين من هم مع النظام وضده؟ كيف تفسر؟ الأمر ينطبق على مثقفين عربا وقفوا بصورة أو بأخرى مشككين بثورة السوريين؟
لدي متعة لئيمة في مراقبة تحولات مثقفين سوريين بعد الثورة.
يبهجني تلون مثقفين مكرسين، وإمعان بعضهم في التعالم والانفصال النفسي عن الثورة وعملياتها وإنسانيتها. والغريب أنهم لم يكتبوا أيضا شيئا ذا قيمة. يمكن للمرء أن يكون ضد الثورة، وأن يقول أشياء مفيدة مع ذلك. أما أن تكون ضد الحدث الأكبر والأكثف بالدلالات في تاريخ بلدك المعاصر، ولعله من الأكبر في تاريخ منطقتنا، ثم لا تكاد تقول عنه إلا ما يشبه كلام صحفيي النظام، فهذا لا يحدث إلا إذا أراد الله أن يبهدل عبدا.
وبين عموم المثقفين أحدثت الثورة فرزا ضروريا. كان هناك من يزعم لنفسه استقلالية أو معارضة من نوع ما، فاضطرته الثورة أن يظهر على ولائه الصميم للنظام. وكان هناك مثقفون مستقلون، أرادوا أن يكونوا هنا وهناك وهنالك، لكن الثورة ألزمتهم بأن يكونوا في مكان محدد، ووقف كثيرون منهم إلى جانبها. الثورة لا تترك أحدا "من شرها"، ولا يستطيع مشتغل بالشأن العام أن يبقى حياديا حيالها.
لكن هذه العمليات لا تزال في بداياتها. إلى جانب الزلزال السياسي والاجتماعي، أظننا سنرى، ونرى منذ الآن، زلازل ثقافية وإيديولوجية. وجيلية طبعا.
- انت كذلك اعتزلت مهنة الطب، خرجت من السجن لتتابع دراسة الطب، لتعتزله من ثم، أي معنى لذلك؟
الخارج من حبس مديد يحتاج إلى فترة "روداج"، مرحلة وسيطة بين السجن وبين "الحرية". حاله مثل من يخرج من مكان معتم إلى آخر ساطع الإضاءة، يلزم وقت كي تجري عيناه عملية المطابقة فيرى على نحو سليم. كانت 3 سنوات ونصف قضيتها في الجامعة فترة المطابقة اللازمة. استعدت خلالها ثقة بالنفس كنت مفتقرا إليها، وعرفت يقينا أني لا أريد ممارسة الطب. وخلال ذلك الفاصل ترجمت أشياء وكتبت أشياء، كانت بداية لمسار مهني مغاير.
- كيف تشعر (لا أقول كيف ترد، لأنني أعرف أن الأمر خارج أي منطق) حين يكتب عنك بأنك وزير إعلام لإمارات سلفية، أو راع لعصابات مسلحة؟
هذا كلام أبله ووضيع طبعا. لكنه ليس بلا معنى. أظن أن كثرة التهجمات علي وعلى مثقفين معارضين آخرين في الشهور الأخيرة وجه من أوجه الصراع المركب الذي فجرته الثورة السورية. صراع سياسي وإيديولوجي بين الثورة ومعسكر المنتفعين المتنوعين من النظام، وبمساهمة لبنانية مهمة، ما دامت أكثر التهجمات علي أتت من لبنانيين. وليس مفاجئا في تقديري درك الانحطاط الذي يمكن أن يبلغه خصوم الثورة، لكن اللافت فيه أنه يجمع بين الجبن والمراوغة. بدل أن يقول الجماعة صراحة إنهم ضد ثورة مناهضة للطغيان، يفضلون وصف المنحازين للثورة بالاستبداد والدكتاتورية. غرضهم القول إنه لا قضية لنا، أي إعدامنا معنويا، وهو ما يسهل أمر إعدامنا فعليا.
ولا يبعد أن قصة العصابات المسلحة بالذات تتجاوز الرغبة في التشويش وإثارة البلبلة وخلط الجابل بالنابل إلى توفير سردية يمكنها أن تبرر، ولو جزئيا، أي مستوى من العنف قد أتعرض له.
على أني أجد في هذه الكتابات شيئا مبهجا. حين يبلغ الأمر خلال شهور قليلة درجة قول أشياء لا تصدق، مثل أن لدي عصابات مسلحة، فهذا يعنى أن قضيتنا تتقدم بسرعة، وأن أعصاب القوم فلتانة وتوشك أن تتحطم.
- كيف تفسر خريطة الاحتجاجات في سوريا؟ لماذا هذه المدينة، القرية دون غيرها؟ ولماذا من دون حلب؟
يمكن أن نجازف بعدة تفسيرات منها ما يتعلق بتكوين سوق العمل الجديدة التي تشكلت بفعل لبرلة مشوهة للاقتصاد في السنوات الأخيرة، وهي سوق منحازة للمدن على حساب الأرياف، ولمراكز المدن على حساب الأحياء الطرفية والضواحي.
ويمكن أن نفكر في كثافة حضور أجهزة النظام وكثافة روابطه بالنخب المحلية، وهذا مميز في حلب ودمشق.
لكن قد يكون للأمر علاقة بالطاقة الكامنة على التطور الفردي والجمعي يبدو أنهما يميزان البؤر الأنشط للثورة. هذه الطاقة معاقة بسبب البنية الامتيازية للنظام، وهامشية قيم العمل والمعرفة فيه. جمهور الثورة هو "مجتمع العمل" (مقابل مجتمع السلطة والامتياز). وهو يتطلع في آن إلى مزيد من الحرية ومزيد من الانضباط والمعايير. بينما مجتمع السلطة والامتياز متهتك لا ضوابط له، واستبدادي لا يقر بحرية لغيره. ويحرك الثورة أيضا تمرد عام على التهميش. ترى هذا الانبعاث المدهش لبلدات وأحياء ومدن، مئات منها، وظهور أسماء وصور لنساء ورجال. فجأة تظهر سورية بلدا واسعا عميقا، منتجا للذاتيات الحرة، مجتمعا مركبا غنيا لا يريد أن يختزل إلى نظام مختزل بدوره إلى طغمة ضيقة.
نحتاج في كل حال إلى معلومات أكثر تفصيلا وأدوات تحليل أكثر ملاءمة. تلزم ثورة في التفكير من أجل فهم الثورة في الواقع.
- ما هو تصورك للمخرج من هذا الوضع؟
لا أرى مخرجا دون تغيير النظام هياكل وأشخاصا. سورية لن تتعافى دون ذلك. النظام القائم اليوم منبع فياض للتعسف والفوضى والتمييز والعنف والتطرف والسرية، أي للانحطاط العام، دون تعويض إيجابي من أي نوع وعلى أي مستوى. هذا يجب أن ينتهي، وهو ما قامت الثورة ضده.
هل يمكن أن يتحقق هذا تفاوضيا؟ يبدو أن الوقت فات. النظام يتصرف كأنه وحده له كرامة وهيبة، ولم يستطع أن يقبل كرامات لمحكوميه في أي وقت. لذلك يركز الثائرون السوريون على هذه النقطة حين يهينون النظام ويتعمدون تحقيره وتسفيه رجاله. لكن هذا يجعل الثورة أقرب إلى صراع مطلق: إما تباد الثورة على نحو ما أباد النظام حركة الاعتراض عليه قبل نحو ثلاثة عقود وحطم بيئاتها المتنوعة، أو يقضى على النظام تماما. لا يبدو أن هناك فرصة لحل وسط. النظام شديد التطرف ولم يقبل يوما التفاوض مع أحد من محكوميه، أو قبول المساواة معهم. وهذا يتسبب في انتشار مزاج عام منفعل ومضاد لأي تفاوض معه.
قد يكون هذا صراعا مأساويا، لكن المأساة "مكتوبة" في بنية النظام.
الثورة السورية بوصفها كثورة وطنية
بينما يظهر اندلاع الثورة السورية بعد خمس ثورات عربية سبقتها أن هناك مجالا عربيا متميزا، تتفوق تفاعلاته الداخلية على تفاعلاته مع غيره، فقد غاب عنها، وعن الثورات الأخرى، ما يحيل إلى رابطة عربية حصرية، أو ما يضع العرب ككل في مواجهة عالم مغاير لهم، يقوده الغرب.
حال الثورات تحيل إلى مشترك عربي لا شك فيه، لكن شعاراتها ومطالبها ووعيها الذاتي تحيل حصرا إلى "الدولة القطرية" القائمة. وبصورة متناقضة يبدو العالم العربي عربيا كثيرا، فيما تبدو كل دولة من دوله عربية أقل، مندارة على نفسها ومتجهة أكثر من أي وقت سبق إلى داخلها. في سورية بالذات يتكشف البلد عالما بأكمله من مدن وبلدات وأحياء، لم يكد أكثر السوريين يعرف عنه شيئا قبل غيرهم من متابعي للثورة السورية. يستطيع المهتم اليوم أن يعد 100 موقع اشتهر بكونه بؤرة نشطة للاحتجاجات الشعبية، من بلدات حوران إلى بلدات إدلب، ومن بانياس على المتوسط إلى عامودا في أقصى الشمال الشرقي.
ويتقابل مدرك العرب في سياق الثورة السورية مع مدرك الكرد والآشوريين، أكثر مما يتقابل مع الغرب أو مع "أجانب" غير محددين. وبينما كانت الصيغة القومية العربية للعروبة تفكر في سورية بوصفها "جزءا لا يتجزأ" من "الوطن العربي"، يبدو أكثر تطابقا مع واقع الحال اليوم التفكير في العروبة كجزء من سورية. جزء مهم والأهم بلا ريب، لكنه جزء. الكل اليوم هو سورية. وهذه تتقابل مع دول أخرى، مثل لبنان والعراق المؤيدين للنظام، ومثل إسرائيل التي يبدو أنها تفضل النظام القائم وإلا فالخراب التام لسورية، وليس تغييرا وطنيا متحكما به. ومثل الأردن الذي يتعامل بحذر مع الأزمة السورية. ومثل تركيا التي تبدو البلد الأفعل في الشؤون السورية لأسباب يلتفي فيها الجوار الجغرافي مع النظام الديمقراطي مع موقف الحكومة التركية المخاصم للنظام السوري، وبالطبع مع القرب الثقافي.
يصعب تقدير مسارات هذه العملية المركبة، لكن يبدو لنا أن العروبة المطلقة أو عقيدة "العروبة أولا"، وإيديولوجية القومية العربية التي تشكلت حولها، قد انتهت كليا. الثورات العربية اليوم هي، على نحو مفارق، نهاية القومية العربية. وهي ثورات وطنية داخلية بكل معنى الكلمة، تعيد اكتشاف وإحياء الغنى المكبوت لمجتمعاتنا، وإعادة بناء السياسة والدولة فيها حول الداخل الاجتماعي. هذا لا يعني بحال نهاية العروبة أو الرابطة العربي بذاتها. بل لعله بداية طور جديد لها، ينأى بها عن مثال الوحدة الشاملة، وعن واقع التخاصم الشامل.
في سورية بالذات تبدو الثورة وطنية تأسيسيا. ليس فقط لأنها تُبرِز سورية من غمار هيولى امبراطورية عربية كان النظام حريصا على ألا تتشكل في أية صورة محددة، لأن انعدام شكلها أنسب لخنق أنفاس الداخل والتحكم بالمحيط القريب، ولكن بخاصة لأنها تظهر الداخل الوطني السوري كله دفعة واحدة. داخلا كثرويا شديد التعقيد، يريد أن تتشكل صورته السياسية على نحو لا يبتره أو يغفل شيئا من تنوعه وغناه. سورية اليوم ليست "قلب العروبة النابض" وإنما هي هذا المجتمع الفوار الذي سيكون الموضوع الأكبر للسياسة فيه خلال سنوات طويلة آتية هو كيفية تشكله كشعب واحد، ونصب الحواجز التي تمنع تسرب تنوعه الثقافي إلى مقر السيادة الموحد، الدولة. من أجل هذا الغرض سيحتاج السوريون إلى إيديولوجية جامعة، لم تعد القومية العربية مؤهلة للقيام بها، ولا تصلح لها أية صيغة للإسلام. وأقل صلاحا لها بعد ذلك الكلام الغنائي المبتذل عن سورية مهد الحضارات، ووريثة خمسة ألاف سنة من الحضارة، وما إلى ذلك. هذا كلام يناسب إيديولوجية "سورية أولا"، وهي إيديولوجية قومية لا تختلف في شيء عن "العروبة أولا" (لكن "آخَر" سورية أولا هو العروبة حصرا)، وصالحة مثل كل إيديولوجية قومية لتسويغ الاستبداد في الداخل والنزعة الامبراطورية في الخارج.
سورية لا تبنى على العروبة وحدها (ضد العروبة أولا)، لكنها لا تبنى ضدها (ضد سورية أولا). وما يستجيب لهذا التطلب المزدوج هو وطنية سورية دستورية، تجمع بين المساواة الفردية (المواطنة) والجمعية (الاحترام المتساوي للجماعات الثقافية). ودون بناء هذه كثير من المشاق، بالكاد نتلمس وجوها أولية لها من الصعوبات التي واجهت تشكل المجلس الوطني، وتواجه عملية استكمال هياكله اليوم.
وأخطر هذه المشاق هو أن تنتقل سورية من ما فوقها العربي إلى ما تحتها الإثني والطائفي دون أن تتطابق مع نفسها. ومن بلد مغلق الداخل قد ننتقل إلى بلد لا داخل له، يلعب فيه كل خارج. ومن نظام طائفي ضمني، تمر إعادة إنتاجه لنفسه بإعادة إنتاج موسعة للانقسامات الأهلية، يخشى أن نتحول إلى نظام طائفي صريح، يجري فيه تثبيت الانقسامات الأهلية وتحويلها إلى وحدات سياسية للنظام. الفضيلة الوحيدة لهذا النظام الأخير أنه أقل سوءا من هذا القائم جوهريا على الإرهاب. لكن رذيلته الكبرى أنه يعمل على تأبيد نفسه (انظر لبنان) مثل نظام الطغيان القائم.
بوصفها ثورة ضد الطغيان، لا تحمل الثورة السورية بحد ذاتها ضمانات مؤكدة ضد هذا التطور. بل لعلها، وهي تخرج المجتمع السوري من القمقم الخانق، تكون خطوة نحو انتظامه في صورة روابط أهلية. وهذا وارد بخاصة لأن من أبرز مفاعيل نظام الطغيان أنه لم يسمح بتكون نخب سياسية مستقلة، وأن النسبة الأكبر من النخبة المتاحة تستمد وزنها مما تكون لا مما فعلت أو تفعل، أي من الهوية لا من العمل.
لكن هذا المسار استمرار للعروبة في طور انحطاطها، أي بعد أن ارتدت إلى إيديولوجية هوية، فيما كانت إيديولوجية عمل فعالة في خمسينات القرن العشرين وستيناته. ما يلزم هو الخروج إلى منطق العمل، لا التحول من هوية إلى هوية. ومنطق العمل يطابق سورية كجمهورية مواطنين ناشطين سياسيا.
لكن الحيلولة دون التطور الهوياتي تقتضي مبدءا إضافيا يوازن مبدأ الحرية، ويضاف إلى التنشيط السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون غير مبدأ الدولة، المتدخلة الضابطة القوية. لكن كل الظروف تعمل اليوم ضد هذا المبدأ، بفعل الشكل الإرهابي للدولة القوية الذي عرفناه في سورية والعراق ودول عربية أخرى في العقود الماضية.
ليس هناك حلول تأملية وسهلة لهذه المشكلات. لا أحد لديه حلول. نجد أنفسنا اليوم في مواجهة مشكلات متنوعة، حل بعضها لا يضمن حل بعضها الأخر، بل ربما يزيدها تعقيدا. لكن لهذا السبب السياسة ضرورية. ولهذا السبب نحتاج إلى معرفة باردة بالواقع.
حال الثورات تحيل إلى مشترك عربي لا شك فيه، لكن شعاراتها ومطالبها ووعيها الذاتي تحيل حصرا إلى "الدولة القطرية" القائمة. وبصورة متناقضة يبدو العالم العربي عربيا كثيرا، فيما تبدو كل دولة من دوله عربية أقل، مندارة على نفسها ومتجهة أكثر من أي وقت سبق إلى داخلها. في سورية بالذات يتكشف البلد عالما بأكمله من مدن وبلدات وأحياء، لم يكد أكثر السوريين يعرف عنه شيئا قبل غيرهم من متابعي للثورة السورية. يستطيع المهتم اليوم أن يعد 100 موقع اشتهر بكونه بؤرة نشطة للاحتجاجات الشعبية، من بلدات حوران إلى بلدات إدلب، ومن بانياس على المتوسط إلى عامودا في أقصى الشمال الشرقي.
ويتقابل مدرك العرب في سياق الثورة السورية مع مدرك الكرد والآشوريين، أكثر مما يتقابل مع الغرب أو مع "أجانب" غير محددين. وبينما كانت الصيغة القومية العربية للعروبة تفكر في سورية بوصفها "جزءا لا يتجزأ" من "الوطن العربي"، يبدو أكثر تطابقا مع واقع الحال اليوم التفكير في العروبة كجزء من سورية. جزء مهم والأهم بلا ريب، لكنه جزء. الكل اليوم هو سورية. وهذه تتقابل مع دول أخرى، مثل لبنان والعراق المؤيدين للنظام، ومثل إسرائيل التي يبدو أنها تفضل النظام القائم وإلا فالخراب التام لسورية، وليس تغييرا وطنيا متحكما به. ومثل الأردن الذي يتعامل بحذر مع الأزمة السورية. ومثل تركيا التي تبدو البلد الأفعل في الشؤون السورية لأسباب يلتفي فيها الجوار الجغرافي مع النظام الديمقراطي مع موقف الحكومة التركية المخاصم للنظام السوري، وبالطبع مع القرب الثقافي.
يصعب تقدير مسارات هذه العملية المركبة، لكن يبدو لنا أن العروبة المطلقة أو عقيدة "العروبة أولا"، وإيديولوجية القومية العربية التي تشكلت حولها، قد انتهت كليا. الثورات العربية اليوم هي، على نحو مفارق، نهاية القومية العربية. وهي ثورات وطنية داخلية بكل معنى الكلمة، تعيد اكتشاف وإحياء الغنى المكبوت لمجتمعاتنا، وإعادة بناء السياسة والدولة فيها حول الداخل الاجتماعي. هذا لا يعني بحال نهاية العروبة أو الرابطة العربي بذاتها. بل لعله بداية طور جديد لها، ينأى بها عن مثال الوحدة الشاملة، وعن واقع التخاصم الشامل.
في سورية بالذات تبدو الثورة وطنية تأسيسيا. ليس فقط لأنها تُبرِز سورية من غمار هيولى امبراطورية عربية كان النظام حريصا على ألا تتشكل في أية صورة محددة، لأن انعدام شكلها أنسب لخنق أنفاس الداخل والتحكم بالمحيط القريب، ولكن بخاصة لأنها تظهر الداخل الوطني السوري كله دفعة واحدة. داخلا كثرويا شديد التعقيد، يريد أن تتشكل صورته السياسية على نحو لا يبتره أو يغفل شيئا من تنوعه وغناه. سورية اليوم ليست "قلب العروبة النابض" وإنما هي هذا المجتمع الفوار الذي سيكون الموضوع الأكبر للسياسة فيه خلال سنوات طويلة آتية هو كيفية تشكله كشعب واحد، ونصب الحواجز التي تمنع تسرب تنوعه الثقافي إلى مقر السيادة الموحد، الدولة. من أجل هذا الغرض سيحتاج السوريون إلى إيديولوجية جامعة، لم تعد القومية العربية مؤهلة للقيام بها، ولا تصلح لها أية صيغة للإسلام. وأقل صلاحا لها بعد ذلك الكلام الغنائي المبتذل عن سورية مهد الحضارات، ووريثة خمسة ألاف سنة من الحضارة، وما إلى ذلك. هذا كلام يناسب إيديولوجية "سورية أولا"، وهي إيديولوجية قومية لا تختلف في شيء عن "العروبة أولا" (لكن "آخَر" سورية أولا هو العروبة حصرا)، وصالحة مثل كل إيديولوجية قومية لتسويغ الاستبداد في الداخل والنزعة الامبراطورية في الخارج.
سورية لا تبنى على العروبة وحدها (ضد العروبة أولا)، لكنها لا تبنى ضدها (ضد سورية أولا). وما يستجيب لهذا التطلب المزدوج هو وطنية سورية دستورية، تجمع بين المساواة الفردية (المواطنة) والجمعية (الاحترام المتساوي للجماعات الثقافية). ودون بناء هذه كثير من المشاق، بالكاد نتلمس وجوها أولية لها من الصعوبات التي واجهت تشكل المجلس الوطني، وتواجه عملية استكمال هياكله اليوم.
وأخطر هذه المشاق هو أن تنتقل سورية من ما فوقها العربي إلى ما تحتها الإثني والطائفي دون أن تتطابق مع نفسها. ومن بلد مغلق الداخل قد ننتقل إلى بلد لا داخل له، يلعب فيه كل خارج. ومن نظام طائفي ضمني، تمر إعادة إنتاجه لنفسه بإعادة إنتاج موسعة للانقسامات الأهلية، يخشى أن نتحول إلى نظام طائفي صريح، يجري فيه تثبيت الانقسامات الأهلية وتحويلها إلى وحدات سياسية للنظام. الفضيلة الوحيدة لهذا النظام الأخير أنه أقل سوءا من هذا القائم جوهريا على الإرهاب. لكن رذيلته الكبرى أنه يعمل على تأبيد نفسه (انظر لبنان) مثل نظام الطغيان القائم.
بوصفها ثورة ضد الطغيان، لا تحمل الثورة السورية بحد ذاتها ضمانات مؤكدة ضد هذا التطور. بل لعلها، وهي تخرج المجتمع السوري من القمقم الخانق، تكون خطوة نحو انتظامه في صورة روابط أهلية. وهذا وارد بخاصة لأن من أبرز مفاعيل نظام الطغيان أنه لم يسمح بتكون نخب سياسية مستقلة، وأن النسبة الأكبر من النخبة المتاحة تستمد وزنها مما تكون لا مما فعلت أو تفعل، أي من الهوية لا من العمل.
لكن هذا المسار استمرار للعروبة في طور انحطاطها، أي بعد أن ارتدت إلى إيديولوجية هوية، فيما كانت إيديولوجية عمل فعالة في خمسينات القرن العشرين وستيناته. ما يلزم هو الخروج إلى منطق العمل، لا التحول من هوية إلى هوية. ومنطق العمل يطابق سورية كجمهورية مواطنين ناشطين سياسيا.
لكن الحيلولة دون التطور الهوياتي تقتضي مبدءا إضافيا يوازن مبدأ الحرية، ويضاف إلى التنشيط السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون غير مبدأ الدولة، المتدخلة الضابطة القوية. لكن كل الظروف تعمل اليوم ضد هذا المبدأ، بفعل الشكل الإرهابي للدولة القوية الذي عرفناه في سورية والعراق ودول عربية أخرى في العقود الماضية.
ليس هناك حلول تأملية وسهلة لهذه المشكلات. لا أحد لديه حلول. نجد أنفسنا اليوم في مواجهة مشكلات متنوعة، حل بعضها لا يضمن حل بعضها الأخر، بل ربما يزيدها تعقيدا. لكن لهذا السبب السياسة ضرورية. ولهذا السبب نحتاج إلى معرفة باردة بالواقع.
جبهات عمل المجلس الوطني السوري
هناك 4 جبهات لعمل المجلس الوطني السوري الذي تشكل في مطلع هذا الشهر.
أولاها وأهمها جبهة الثورة. ينال المجلس شرعية أكبر ووزنا أكبر كلما كان ارتباطه بالثورة أقوى. لكن المجلس مدعو في الوقت نفسه لأن يكون قيادة للثورة، بمعنى أن تكون له كلمة مسموعة في أوساطها، وأن يحدد وجهتها السياسية، ويتولى دورا أكبر في تنظيمها الفكري والسياسي، بما في ذلك أن يعترض على أوجه من نشاطها وعملياتها عند اللزوم. ما يتصل مثلا بحمل السلاح أو طلب التدخل الدولي. هنا قضية حساسة لا ينبغي أن تترك للانفعالات المفهومة للثائرين المباشرين، والمحك فيها هو المصلحة العامة للثورة والمصلحة الوطنية. وقضية الحماية الدولية ذاتها غامضة من حيث المضمون والآليات والإمكانية، والمجلس معني بتوضيحها أو بالتخلي عنه. لا ريب أن المجلس يدفع في هذا الشأن ثمن تأخر تشكل إطار تمثيلي عام للثورة، وتاليا ظهور توجهات وتحركات ومطالب متنوعة في بيئات الثورة المحلية الكثيرة، يصعب التنسيق بينها وتوجيهها في اتجاه واحد. وتوحيد حركة الثورة وتوجهاتها تحد كبير ينطرح على المجلس، وفرصه ستكون أكبر بقدر ما ينخرط المجلس في أنشطة الثورة على الأرض ويكون قوة فاعلة ضمنها. فلا مجال لتوحيد الثورة أو للتأثير على مساراتها وقيادتها دون أوثق الارتباط بها.
الجبهة الثانية جبهة النظام. يعتنق المجلس قضية الثورة، التي هي إسقاط النظام. هذا شيء لا رجعة عنه لأنه مكون لهوية المجلس وكيانه. وهو يعني أن لا حوار ولا تفاوض مع النظام، لكن يعني أيضا متابعة ممارسات النظام ضد الثورة والشعب السوري، ومحاصرته بالوسائل القانونية والإعلامية والدبلوماسية، والرد المدروس على الناطقين باسمه عند اللزوم، وترتيب ملفات لقادته ومديري القتل من رجاله، وتجهيز ملف موثق وشامل لجرائمه لتقديمه لمحكمة الجنيات الدولية يوما. ومن مقتضياته أيضا وضع خطط وتصورات لسورية الجديدة، تضمن استمرارية الدولة التي سخرها النظام لمصالحه. ومن مقتضياته أيضا مخاطبة قطاعات من الجمهور السوري تسانده اليوم.
الجبهة الثالثة هي الجبهة الدولية. بينما يسعى المجلس للفوز باعتراف الدول العربية والغربية بخاصة فإنه معرض لأنه يغدو موضع تجاذب من قبلها. سيكون المجلس في موقع أقوى للتعاطي مع القوى الدولية بقدر ما يكون ارتباطه بالثورة أقوى. هنا مصدر شرعيته ومنبع استقلاليته. سيكون مهما أيضا العمل باتجاه أن تعدل حكومتا روسيا والصين موقفهما. لكن الأولوية هي بالفعل لنيل الاعتراف من الدول العربية على ما يعمل الدكتور غليون. ومن المهم أن ينطلق المجلس بلسان واحد بأنه ضد التدخل العسكري الدولي لأسباب مبدئية وعملية معا. تعدد الأصوات في هذا الشأن مصدر بلبلة وتشكيك بصدقية المجلس. وبنظرة أبعد إلى الأمام تثير الجبهة الدولية سؤالا كبيرا في شأن التحالفات الدولية لسورية بعد سقوط النظام. فإذا لم يكن متعذرا وغير مرغوب أن تغدو سورية جزءا من التحالف الغربي، وافترض أنه متعذر فعلا في أي مدى منظور، تعين أن يأخذ المجلس مسافة أكبر عن الأصوات الداعية للتدخل الدولي. وأن يطور رؤية واضحة محددة عن قضية حماية المدنيين.
وتتصل الجبهة الرابعة بالعلاقة مع مجموعات المعارضة الأخرى. تعرض المجلس خلال القوت القصير منذ تشكله لتشكيك وهجمات متنوعة. سيبقى الأمر كذلك على الأرجح. فمن خصائص بيئة العمل المعارض السورية منذ عقود أن الصراع في أوساط المعارضة لا يقل عنفا عن الصراع ضد النظام. ولطالما كان ثمة معارضون تتجه أقوى انفعالاتهم ضد معارضين آخرين، وهو ما استهلك كثيرا من الطاقات، ولعله تسبب في لا مبالاة قطاعات من الشباب كان يمكن أن تنشط في التنظيمات المعارضة. المبدأ العام هنا تجنب أي توترات لا لزوم لها، أو أية معارك جانبية، مع إبقاء الباب مفتوحا لأن تتمثل فيه أية مجموعات قد ترغب في ذلك.
ولعل هناك جبهة خامسة تتصل ببيئة صحية داخل المجلس، والتغلب على أية منازعات داخلية قد تعرض له. كلما كان المجلس أكثر تماسكا كانت فاعليته على الجبهات الأربعة الأخرى أعلى مردودا. من شأن منازعات داخلية، بالمقابل، أن تعطل فاعلية المجلس العامة، وأن تكون مصدر إحباط هائل للثورة والشعب السوري.
من المهم، أخيرا، أن يتحرر المعارضون السوريون من عقدة النقص العميقة تجاه النظام، وتجاه المجتمع، وفي المجال الدولي. هذا نتاج نحو نصف قرن من العزل السياسي والاجتماعي الداخلي، والعزل عن العالم، وهو السبب وراء المنازعات التي لا تنتهي في أوساط المعارضة. فلأننا صغار لا نكف عن التخاصم مع صغار مثلنا. لن يكون سهلا تجاوز هذا الميراث كله. لكن هناك سبيل واحد للتقدم في هذا السبيل: الانخراط في العمل من أجل انتصار الثورة وتغيير واقع سورية.
لقد نال المجلس شرعية داخلية سريعة لكن لا لفضل خاص به، وإنما لحاجة الثورة إلى إطار تمثيلي واسع ولثقة جمهور الثورة ببعض الشخصيات المنخرطة فيه. لكن المجلس معرض لخسارة تلك الشرعية بالسرعة نفسها إن لم يتطور إلى مركز قيادي، يقود الثورة ولا ينقاد لأصوات ونزعات في الثورة لا شك في إخلاصها، لكنها ربما أكثر انفعالا وأضيق أفقا من أن تسير بالثورة إلى ما فيه المصلحة العامة للشعب السوري في النهاية. لعل ما يتصل بهذا الشأن هو التحدي الأكبر الذي سيواجه المجلس والثورة في الأسابيع القادمة.
أولاها وأهمها جبهة الثورة. ينال المجلس شرعية أكبر ووزنا أكبر كلما كان ارتباطه بالثورة أقوى. لكن المجلس مدعو في الوقت نفسه لأن يكون قيادة للثورة، بمعنى أن تكون له كلمة مسموعة في أوساطها، وأن يحدد وجهتها السياسية، ويتولى دورا أكبر في تنظيمها الفكري والسياسي، بما في ذلك أن يعترض على أوجه من نشاطها وعملياتها عند اللزوم. ما يتصل مثلا بحمل السلاح أو طلب التدخل الدولي. هنا قضية حساسة لا ينبغي أن تترك للانفعالات المفهومة للثائرين المباشرين، والمحك فيها هو المصلحة العامة للثورة والمصلحة الوطنية. وقضية الحماية الدولية ذاتها غامضة من حيث المضمون والآليات والإمكانية، والمجلس معني بتوضيحها أو بالتخلي عنه. لا ريب أن المجلس يدفع في هذا الشأن ثمن تأخر تشكل إطار تمثيلي عام للثورة، وتاليا ظهور توجهات وتحركات ومطالب متنوعة في بيئات الثورة المحلية الكثيرة، يصعب التنسيق بينها وتوجيهها في اتجاه واحد. وتوحيد حركة الثورة وتوجهاتها تحد كبير ينطرح على المجلس، وفرصه ستكون أكبر بقدر ما ينخرط المجلس في أنشطة الثورة على الأرض ويكون قوة فاعلة ضمنها. فلا مجال لتوحيد الثورة أو للتأثير على مساراتها وقيادتها دون أوثق الارتباط بها.
الجبهة الثانية جبهة النظام. يعتنق المجلس قضية الثورة، التي هي إسقاط النظام. هذا شيء لا رجعة عنه لأنه مكون لهوية المجلس وكيانه. وهو يعني أن لا حوار ولا تفاوض مع النظام، لكن يعني أيضا متابعة ممارسات النظام ضد الثورة والشعب السوري، ومحاصرته بالوسائل القانونية والإعلامية والدبلوماسية، والرد المدروس على الناطقين باسمه عند اللزوم، وترتيب ملفات لقادته ومديري القتل من رجاله، وتجهيز ملف موثق وشامل لجرائمه لتقديمه لمحكمة الجنيات الدولية يوما. ومن مقتضياته أيضا وضع خطط وتصورات لسورية الجديدة، تضمن استمرارية الدولة التي سخرها النظام لمصالحه. ومن مقتضياته أيضا مخاطبة قطاعات من الجمهور السوري تسانده اليوم.
الجبهة الثالثة هي الجبهة الدولية. بينما يسعى المجلس للفوز باعتراف الدول العربية والغربية بخاصة فإنه معرض لأنه يغدو موضع تجاذب من قبلها. سيكون المجلس في موقع أقوى للتعاطي مع القوى الدولية بقدر ما يكون ارتباطه بالثورة أقوى. هنا مصدر شرعيته ومنبع استقلاليته. سيكون مهما أيضا العمل باتجاه أن تعدل حكومتا روسيا والصين موقفهما. لكن الأولوية هي بالفعل لنيل الاعتراف من الدول العربية على ما يعمل الدكتور غليون. ومن المهم أن ينطلق المجلس بلسان واحد بأنه ضد التدخل العسكري الدولي لأسباب مبدئية وعملية معا. تعدد الأصوات في هذا الشأن مصدر بلبلة وتشكيك بصدقية المجلس. وبنظرة أبعد إلى الأمام تثير الجبهة الدولية سؤالا كبيرا في شأن التحالفات الدولية لسورية بعد سقوط النظام. فإذا لم يكن متعذرا وغير مرغوب أن تغدو سورية جزءا من التحالف الغربي، وافترض أنه متعذر فعلا في أي مدى منظور، تعين أن يأخذ المجلس مسافة أكبر عن الأصوات الداعية للتدخل الدولي. وأن يطور رؤية واضحة محددة عن قضية حماية المدنيين.
وتتصل الجبهة الرابعة بالعلاقة مع مجموعات المعارضة الأخرى. تعرض المجلس خلال القوت القصير منذ تشكله لتشكيك وهجمات متنوعة. سيبقى الأمر كذلك على الأرجح. فمن خصائص بيئة العمل المعارض السورية منذ عقود أن الصراع في أوساط المعارضة لا يقل عنفا عن الصراع ضد النظام. ولطالما كان ثمة معارضون تتجه أقوى انفعالاتهم ضد معارضين آخرين، وهو ما استهلك كثيرا من الطاقات، ولعله تسبب في لا مبالاة قطاعات من الشباب كان يمكن أن تنشط في التنظيمات المعارضة. المبدأ العام هنا تجنب أي توترات لا لزوم لها، أو أية معارك جانبية، مع إبقاء الباب مفتوحا لأن تتمثل فيه أية مجموعات قد ترغب في ذلك.
ولعل هناك جبهة خامسة تتصل ببيئة صحية داخل المجلس، والتغلب على أية منازعات داخلية قد تعرض له. كلما كان المجلس أكثر تماسكا كانت فاعليته على الجبهات الأربعة الأخرى أعلى مردودا. من شأن منازعات داخلية، بالمقابل، أن تعطل فاعلية المجلس العامة، وأن تكون مصدر إحباط هائل للثورة والشعب السوري.
من المهم، أخيرا، أن يتحرر المعارضون السوريون من عقدة النقص العميقة تجاه النظام، وتجاه المجتمع، وفي المجال الدولي. هذا نتاج نحو نصف قرن من العزل السياسي والاجتماعي الداخلي، والعزل عن العالم، وهو السبب وراء المنازعات التي لا تنتهي في أوساط المعارضة. فلأننا صغار لا نكف عن التخاصم مع صغار مثلنا. لن يكون سهلا تجاوز هذا الميراث كله. لكن هناك سبيل واحد للتقدم في هذا السبيل: الانخراط في العمل من أجل انتصار الثورة وتغيير واقع سورية.
لقد نال المجلس شرعية داخلية سريعة لكن لا لفضل خاص به، وإنما لحاجة الثورة إلى إطار تمثيلي واسع ولثقة جمهور الثورة ببعض الشخصيات المنخرطة فيه. لكن المجلس معرض لخسارة تلك الشرعية بالسرعة نفسها إن لم يتطور إلى مركز قيادي، يقود الثورة ولا ينقاد لأصوات ونزعات في الثورة لا شك في إخلاصها، لكنها ربما أكثر انفعالا وأضيق أفقا من أن تسير بالثورة إلى ما فيه المصلحة العامة للشعب السوري في النهاية. لعل ما يتصل بهذا الشأن هو التحدي الأكبر الذي سيواجه المجلس والثورة في الأسابيع القادمة.
في الكذب والخوف وصناعة الطبيعة... والتمرد
كان ظاهرا أنه لم يفرج عن الشيخ نواف راغب البشير بعد أكثر من شهرين من الاعتقال إلا بعد إجباره على الظهور على التلفزيون السوري ليقول كلاما يناسب النظام. ولا يبدو النظام حريصا على إخفاء هذا الواقع. فما يأمله ليس أن يقتنع السوريون بمضمون كلام الشيخ عن الإصلاح والرئيس، بل أن يلحق العار بالرجل كشخصية معارضة معروفة.
وكان سبق أن فعل الشيء نفسه مع الشيخ أحمد صياصنة، خطيب الجامع العمري، الذي ينال احتراما واسعا في مدينته، درعا. الغرض أيضا النيل من رمزية الرجل وتشويه صورته في عيون عموم السوريين. لا مطمع للنظام في أن إثبات عدالته وكرامته هو. غاية ما يريد هو إذلال مواطنيه المعارضين وتجريدهم من الكرامة.
ولا يبدو أن بال النظام انشغل أيضا بواقع أنه، وإن لم يقتل زينب الحصني، فقد قتل امرأة غيرها، وقطع رأسها وذراعيها وحرق وجهها بحيث يمتنع التعرف عليها. وأنه قتل أخا زينب وتسلمت أسرته جثته، مع الجثة المفترضة لزينب نفسها. ما يهمه هنا أيضا هو تكذيب رواية انتشرت عن مقتل زينب، والنيل من صدقية الثائرين عليه، أكثر مما إقناع الناس صحة رواياته وعدالة تعامله.
وكان إعلام النظام اعتنى بتكذيب مقتل أحمد بياسي، وبإظهاره على التلفزيون السوري للنيل من رمزيته أيضا، وإن اثبت ذلك أن مخابرات النظام وشبيحته هم من أذلوا سكان بلدة البيضا، وتعاملوا معهم بطريقة استعمارية.
وفي حالتي زينب الحصني وأحمد البياسي من المحتمل جدا أنه جرى تسريب متعمد لخبر مقلتهما من أجل تكذيبه فيما بعد والنيل من صدقية الثورة السورية ووسائل الإعلام المهتمة بتغطيتها.
تقول هذه الوقائع الأربعة شيئان.
أولهما الترابط الجوهري الوثيق بين المركبين الأمني والإعلامي في سورية، ذاك الذي ينتج الخوف وهذا الذي ينتج الكذب. ليس عارضا الترابط بين هذين المركبين الاستراتيجيين للنظام. فوظيفة الإعلام هي تسمية الأشياء بغير أسمائها، فيما وظيفة الأمن هي منع تسمية الأشياء بأسمائها، أي أنهما يتوحدان في نصب الحواجز بين جمهور المحكومين السوري وبين تكوين صورة صحيحة عن وضعه والتوجه بصورة سليمة في العالم. ومن وجه آخر فإن الإعلام هو جهاز التقديس أو شبكة معابد الدين السياسي المفروض في سورية منذ أربعة عقود، أي عبادة الحاكم، فيما الأمن هو شبكة أدوات العنف التي تعاقب الكفر به أو التشكيك بهذا المعبود. ولذلك اعتنى النظام دوما بأن يوكل هذين الجهازين الاستراتيجيين لموثوقيه المقربين. ولذلك أيضا فإن هذين المركبين الجهازيين لا يقبلان الإصلاح بتاتا. هل يمكن إصلاح الخوف؟ أو الكذب؟ وهما على كل حال ليسا مؤسستي دولة، بل جهازا النظام الحالي، فلا بقاء لهما من بعده، ولا بقاء له بزوالهما.
الشيء الثاني هو أن ما يريده النظام ليس الفوز بمعركة الحقيقة، بل إظهار أن الجميع كاذبين على حد سواء، على ما كتب عروة نيربية قبل حين. أو بالضبط أن "تضيع الطاسة" حسب قول سوري سائر، بحيث لا يعرف حق من باطل وصدق من كذب. يعلم النظام أنه لا يستطيع قول الحقيقة أو تحمل أكلاف تمكين عموم الناس من معرفتها، فيفضل أن لا تكون هناك حقيقة. كل ما يقال أكاذيب وأباطيل، بحيث تغرق الأمور في النسبية، ويكون الجميع "في الهوى سوا". هل إعلامنا غير موضوعي؟ لكن الموضوعية المطلقة غير موجودة. وهكذا يغدو التزوير المتعمد مثل الانحيازات غير الواعية، والكذب يغدو مثل الإيديولوجية، وجريدة البعث مثل الإندبندنت، والتلفزيون السوري مثل الجزيرة ("الخنزيرة" في لغة "المنحبكجية" السوريين).
ومثل ذلك على صعد أخرى. هل لدينا فساد؟ لكن هناك فساد في كل مكان من العالم. وهو أصلا ينبع من الطبيعة البشرية بالذات. وهكذا تستوي أوضاع فساد قائمة في بلدان كثيرة من العالم مع بنية قائمة جوهريا على تسخير المؤسسات العامة والدولة ذاتها لخدمة المصالح الخاصة، وتشغل نخبة السلطة فيها موقعا امتيازيا غير مراقب حيال الموارد الوطنية. الغرض هنا أيضا تحطيم أية معايير تتيح نقد الواقع. فالعالم كله فاسد، ولا فرق تاليا بين فساد وفساد. وليس هناك ما يمكن أو يجب عمله.
وسيكون مهماً إبراز وقائع سجني غوانتانامو وأبو غريب في العراق لأنهما ييسران أمر اعتبار الاعتقال العشوائي والتعذيب أشياء عادية تحصل في كل مكان من العالم، بما في ذلك عند من "يتشدقون بالديمقراطية"، وهو ما يعود بالطبيعية على الأجهزة الأمنية السورية التي تعتقل المواطنين السوريين وتعذبهم. ألم ترون "الديمقراطية الأميركية" في العراق؟ وسيكون إفراطا في التدقيق القول إن الأميركيين يعذبون أعداءهم غير الأميركيين، وأن الإسرائيليين يعتقلون ويعذبون الفلسطينيين وليس اليهود الإسرائيليين، فيما تعذب المخابرات المواطنين السوريين. فالغرض دوما ليس إيضاح الواقع بل صنع مزاج وسيكولوجية كلبية (سينيكية) ترى العالم مكانا خطيرا لا صلاح فيه، والناس فيه كاذبون وفاسدون ولا ذمام لهم. وتاليا لا جدوى من فعل أي شيء، ولا معنى لإصلاح أو تغيير، وليس بالإمكان أبدع مما هو كائن.
وهكذا، بدل أن نسعى إلى الخير أو العدل أو الحق أو الحرية، سنيأس من جدوى أي عمل ونقبل الواقع كما هو.
من قد لا يسلمون بذلك بيننا يسحقون، ويقال عنهم إنهم طلاب سلطة ومناصب. أي أنه لا قضية لهم ولا مبدأ، وغاية ما يريدونه هو الحلول محل الحاكمين الحاليين أو "تقاسم الكعكة" معهم. قد يكون من في السلطة اليوم لصوص، لكنهم شبعانون، فيما معارضوهم لصوص وجائعون، ولذلك فإن لصوصا نعرفهم خير من لصوص لا نعرفهم. وعلى هذا النحو يحوز الواقع القائم شرعية سلبية (أقل سوءا من غيره) وهو المفتقر إلى أية شرعية إيجابية (أفضل من غيره، أو الأفضل).
المطلوب إحداث فوضى قيمية بحيث تتشوش مدارك الناس جميعا وينفلّ حسهم بالعدالة وقدرتهم على النقد والتقييم. وهذا مناسب كي تدوم الأوضاع نفسها إلى الأبد.
وخلاصة كل ذلك هي: "الأسد أو لا أحد"! أي ببساطة لا بديل. وليس غير الفوضى والخراب والحرب الأهلية ما سيأتي بعد هذا النظام.
والأهم من ذلك أن يبدو هذه كله من طبائع الأمور، قدرا، وليس شيئا مصنوعا ومتعوبا عليه. مع ذلك يتمرد السوريون. لكن لذلك تمردهم مأساوي. ومنتج للمعنى.
وكان سبق أن فعل الشيء نفسه مع الشيخ أحمد صياصنة، خطيب الجامع العمري، الذي ينال احتراما واسعا في مدينته، درعا. الغرض أيضا النيل من رمزية الرجل وتشويه صورته في عيون عموم السوريين. لا مطمع للنظام في أن إثبات عدالته وكرامته هو. غاية ما يريد هو إذلال مواطنيه المعارضين وتجريدهم من الكرامة.
ولا يبدو أن بال النظام انشغل أيضا بواقع أنه، وإن لم يقتل زينب الحصني، فقد قتل امرأة غيرها، وقطع رأسها وذراعيها وحرق وجهها بحيث يمتنع التعرف عليها. وأنه قتل أخا زينب وتسلمت أسرته جثته، مع الجثة المفترضة لزينب نفسها. ما يهمه هنا أيضا هو تكذيب رواية انتشرت عن مقتل زينب، والنيل من صدقية الثائرين عليه، أكثر مما إقناع الناس صحة رواياته وعدالة تعامله.
وكان إعلام النظام اعتنى بتكذيب مقتل أحمد بياسي، وبإظهاره على التلفزيون السوري للنيل من رمزيته أيضا، وإن اثبت ذلك أن مخابرات النظام وشبيحته هم من أذلوا سكان بلدة البيضا، وتعاملوا معهم بطريقة استعمارية.
وفي حالتي زينب الحصني وأحمد البياسي من المحتمل جدا أنه جرى تسريب متعمد لخبر مقلتهما من أجل تكذيبه فيما بعد والنيل من صدقية الثورة السورية ووسائل الإعلام المهتمة بتغطيتها.
تقول هذه الوقائع الأربعة شيئان.
أولهما الترابط الجوهري الوثيق بين المركبين الأمني والإعلامي في سورية، ذاك الذي ينتج الخوف وهذا الذي ينتج الكذب. ليس عارضا الترابط بين هذين المركبين الاستراتيجيين للنظام. فوظيفة الإعلام هي تسمية الأشياء بغير أسمائها، فيما وظيفة الأمن هي منع تسمية الأشياء بأسمائها، أي أنهما يتوحدان في نصب الحواجز بين جمهور المحكومين السوري وبين تكوين صورة صحيحة عن وضعه والتوجه بصورة سليمة في العالم. ومن وجه آخر فإن الإعلام هو جهاز التقديس أو شبكة معابد الدين السياسي المفروض في سورية منذ أربعة عقود، أي عبادة الحاكم، فيما الأمن هو شبكة أدوات العنف التي تعاقب الكفر به أو التشكيك بهذا المعبود. ولذلك اعتنى النظام دوما بأن يوكل هذين الجهازين الاستراتيجيين لموثوقيه المقربين. ولذلك أيضا فإن هذين المركبين الجهازيين لا يقبلان الإصلاح بتاتا. هل يمكن إصلاح الخوف؟ أو الكذب؟ وهما على كل حال ليسا مؤسستي دولة، بل جهازا النظام الحالي، فلا بقاء لهما من بعده، ولا بقاء له بزوالهما.
الشيء الثاني هو أن ما يريده النظام ليس الفوز بمعركة الحقيقة، بل إظهار أن الجميع كاذبين على حد سواء، على ما كتب عروة نيربية قبل حين. أو بالضبط أن "تضيع الطاسة" حسب قول سوري سائر، بحيث لا يعرف حق من باطل وصدق من كذب. يعلم النظام أنه لا يستطيع قول الحقيقة أو تحمل أكلاف تمكين عموم الناس من معرفتها، فيفضل أن لا تكون هناك حقيقة. كل ما يقال أكاذيب وأباطيل، بحيث تغرق الأمور في النسبية، ويكون الجميع "في الهوى سوا". هل إعلامنا غير موضوعي؟ لكن الموضوعية المطلقة غير موجودة. وهكذا يغدو التزوير المتعمد مثل الانحيازات غير الواعية، والكذب يغدو مثل الإيديولوجية، وجريدة البعث مثل الإندبندنت، والتلفزيون السوري مثل الجزيرة ("الخنزيرة" في لغة "المنحبكجية" السوريين).
ومثل ذلك على صعد أخرى. هل لدينا فساد؟ لكن هناك فساد في كل مكان من العالم. وهو أصلا ينبع من الطبيعة البشرية بالذات. وهكذا تستوي أوضاع فساد قائمة في بلدان كثيرة من العالم مع بنية قائمة جوهريا على تسخير المؤسسات العامة والدولة ذاتها لخدمة المصالح الخاصة، وتشغل نخبة السلطة فيها موقعا امتيازيا غير مراقب حيال الموارد الوطنية. الغرض هنا أيضا تحطيم أية معايير تتيح نقد الواقع. فالعالم كله فاسد، ولا فرق تاليا بين فساد وفساد. وليس هناك ما يمكن أو يجب عمله.
وسيكون مهماً إبراز وقائع سجني غوانتانامو وأبو غريب في العراق لأنهما ييسران أمر اعتبار الاعتقال العشوائي والتعذيب أشياء عادية تحصل في كل مكان من العالم، بما في ذلك عند من "يتشدقون بالديمقراطية"، وهو ما يعود بالطبيعية على الأجهزة الأمنية السورية التي تعتقل المواطنين السوريين وتعذبهم. ألم ترون "الديمقراطية الأميركية" في العراق؟ وسيكون إفراطا في التدقيق القول إن الأميركيين يعذبون أعداءهم غير الأميركيين، وأن الإسرائيليين يعتقلون ويعذبون الفلسطينيين وليس اليهود الإسرائيليين، فيما تعذب المخابرات المواطنين السوريين. فالغرض دوما ليس إيضاح الواقع بل صنع مزاج وسيكولوجية كلبية (سينيكية) ترى العالم مكانا خطيرا لا صلاح فيه، والناس فيه كاذبون وفاسدون ولا ذمام لهم. وتاليا لا جدوى من فعل أي شيء، ولا معنى لإصلاح أو تغيير، وليس بالإمكان أبدع مما هو كائن.
وهكذا، بدل أن نسعى إلى الخير أو العدل أو الحق أو الحرية، سنيأس من جدوى أي عمل ونقبل الواقع كما هو.
من قد لا يسلمون بذلك بيننا يسحقون، ويقال عنهم إنهم طلاب سلطة ومناصب. أي أنه لا قضية لهم ولا مبدأ، وغاية ما يريدونه هو الحلول محل الحاكمين الحاليين أو "تقاسم الكعكة" معهم. قد يكون من في السلطة اليوم لصوص، لكنهم شبعانون، فيما معارضوهم لصوص وجائعون، ولذلك فإن لصوصا نعرفهم خير من لصوص لا نعرفهم. وعلى هذا النحو يحوز الواقع القائم شرعية سلبية (أقل سوءا من غيره) وهو المفتقر إلى أية شرعية إيجابية (أفضل من غيره، أو الأفضل).
المطلوب إحداث فوضى قيمية بحيث تتشوش مدارك الناس جميعا وينفلّ حسهم بالعدالة وقدرتهم على النقد والتقييم. وهذا مناسب كي تدوم الأوضاع نفسها إلى الأبد.
وخلاصة كل ذلك هي: "الأسد أو لا أحد"! أي ببساطة لا بديل. وليس غير الفوضى والخراب والحرب الأهلية ما سيأتي بعد هذا النظام.
والأهم من ذلك أن يبدو هذه كله من طبائع الأمور، قدرا، وليس شيئا مصنوعا ومتعوبا عليه. مع ذلك يتمرد السوريون. لكن لذلك تمردهم مأساوي. ومنتج للمعنى.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)