21 فبراير, 2010

الإصلاح الإسلامي وإيديولوجية الإصلاح الديني

برزت فكرة الإصلاح الإسلامي مجددا في السنوات الأخيرة كجزء من الاهتمام الواسع بالمسألة الإسلامية. ولقد أعطت ديناميات ما بعد 11 أيلول السياسية والثقافية والإعلامية دفعا لهذا الاهتمام، لكن ليس من الإنصاف في شيء رد الاهتمام ذاته إلى الحدث. وكنت أحد المهتمين "العلمانيين" بهذا الشأن، الأمر الذي بدا مستهجنا في نظر علمانيين آخرين، وجدوا فيه مسوغا للتشكك في استحقاقي لصفة العلمانية أو مسلكا يبيح تلميحات إلى ما هو أسوأ. وأكثر مما يتعلق الأمر بي، فإن مقاربات الشأن الديني في سورية، وربما في كل مكان من العالم العربي، تتصف عموما بعنف سجالي وحدة انفعالية، قلما تتيحان تنظيم التفكير في هذا الشأن، دع عنك قول جديد مختلف.
ومن باب تنظيم التفكير قد يمكن التمييز هنا بين صيغتين ممكنتين للتفكير في الإصلاح الإسلامي: صيغة تتصوره كاستجابة محتملة للمشكلات السياسية والفكرية والقانونية والأخلاقية التي يطرحها وضع الإسلام في العالم المعاصر؛ وصيغة أخرى حتموية، تجعل الإصلاح الإسلامي مرحلة حتمية وشرطا لا مناص منه من اجل أي تقدم سياسي وثقافي يتحقق للمسلمين المعاصرين.
الإصلاح الإسلامي مطلوب، فيما نرى، لأن من شأنه أن يحقق انفصالا محررا عن صيغ للدين والتدين الإسلامي قبل حداثية بلا جدال (غير متمركزة حول الإنسان). ولما كان الدين مؤسسة كبرى من مؤسسات التأهيل الاجتماعي الواسع النطاق، فإن من شأن تشكل الإسلام في صيغة تركز على الإيمان الشخصي وتفصل الإسلام- الدين عن الإسلام- النظام أن تمثل قفزة ثقافية واجتماعية واسعة تكون، في الوقت ذاته، ركيزة راسخة لتطلعات الحرية السياسية. هذا فضلا عن أن من شأن فكرة الإصلاح الإسلامي أن تمنح معنى تاريخيا لمختلف الاختلاجات السياسة والوجدانية والفكرية التي تعتري عالم المسلمين المعاصرين والإسلام نفسه.
بيد أن هذا كله يجعل الإصلاح الإسلامي أمرا مرغوبا، وليس بالضرورة شرطا حتميا لكل تقدم يحتمل أن يتحقق لنا، على ما تقرر ما نسميها إيديولوجية الإصلاح الديني لدينا. لا تحول هذه مسار التاريخ الأوربي الغربي إلى نموج معياري لكل تقدم تاريخي محتمل فقط، وإنما هي تنسب إلى المسار ذاك سمة حتمية سرّبتها إليه عقائد التقدم والتاريخانية في عصر الأنوار والقرن التاسع عشر. وبينما قد يمكن التساؤل عن أسباب أدلجة الإصلاح الديني على هذه الصورة الحتموية (مقتضيات التعبئة، ودواعي السياسة عموما، ليست بعيدة عنها)، فإن الأدلجة هذه تضعف قضية الإصلاح الإسلامي من حيث يفترض أنها تريد تعزيزها. هذا لأنها تفصلها عن أية مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية أخرى، فتجعل فهم الشأن الديني ذاته متعذرا، ومن باب أولى إصلاحه المأمول. وكذلك لأنها تخضعها لأجندة إيديولوجية أو سياسية ضيقة من النوع الذي تمارسه حكومات قائمة، ومن صنف ما يقوم به الإسلاميون أنفسهم. هذا فوق أنها تفصل قضية الإصلاح عن ذاتها وتذيبها في مخطط تاريخي عمومي، مجرد وغير نوعي، لا يكاد يقول عن الدين ومشكلاته العينية شيئا.
أوجه شتى للتقدم ممكنة دون إصلاح ديني، لكننا نرجح لتقدم يتحقق على أرضية إصلاح إسلامي أن يكون أصلب أسسا. الإصلاح يؤسس لاتساق أعلى في ثقافتنا وتفكيرنا وانفتاحا أوسع لآفاقنا التاريخية. بهذا المعنى الإصلاح التزام يقع على عاتقنا، ويستحسن أن ننهض به. فإذا نسبنا الالتزام هذا إلى ضرب من الميتافيزيقا التاريخية، أو "قوانين التاريخ"، انسقنا إلى جعله حتما متعاليا شارطا لأي تقدم قد يتحقق لنا. ويحصل أن تشتق من هذه الحتم سياسة عمل مباشر لا تكتفي بالتشكك في أي جهد يبذل في مجالات أخرى غير الديني والثقافي، بل وترى من واجبها أن تناضل ضد كل من لا يقول قولها.

ومن باب تنظيم التفكير أيضا قد يمكن التمييز بين صورتين للإصلاح الإسلامي تحيلان إلى تصورين للإسلام ذاته.
في صورة أولى يستهدف الإصلاح موقع الإسلام في النظام العام بصرف النظر عن مضامين التعاليم الإسلامية. المقصود هنا فصل دين الإسلام عن النظام الإسلامي، هذا الذي يجعل منه "دينا ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خلق وقوة" على قولٍ للشيخ يوسف القرضاوي (في كتابه "الدين والسياسية") يستبطن التشكل الامبراطوري للإسلام في قرونه الأولى، وينسج على منوال مستقر في كتابات زعماء الإسلاميين. صورة الإصلاح الأولى هذه موجهة نحو فصل الإسلام عن "السيادة"، أي العنف والولاية العامة. ورغم أن قليلا من بلداننا تعيش في ظل النظام الإسلامي إلا أن شبحه حي يسعى فيها جميعا، ولم تطو صفحته ثقافيا وتاريخيا في أي منها.
وفي صورة أخرى يستهدف الإصلاح الإسلامي إعادة هيكلة مضامين الاعتقاد الإسلامي وإعادة ترتيبها بصورة تتوافق مع حرية الاعتقاد واستقلال الضمير. هذا ليس شرطا إيديولوجيا يفرض من خارج على الدين الإسلامي، بل هو مقتضى منطقي لمفهوم الإيمان الديني ذاته.
وهذا التمييز بين إصلاح موقع الإسلام أو ما نسميه "الإصلاح الخارجي"، وإصلاح بنية الاعتقاد الإسلامي (أو "الإصلاح الداخلي") ليس متعسفا أو مقحما على المجمل الإسلامي من خارجه. ففوق أنه (التمييز) يستجيب لعدم تطابق الأمة السياسية مع الأمة الخلاصية أو الدينية في بلداننا المعاصرة، فلطالما صدرت ممارسة عموم المسلمين الدينية طوال معظم تاريخهم عن افتراضه. بالعكس، إن بناء النظام الإسلامي، وجعل الإسلام إيديولوجية شمولية كما يقول القرضاوي نفسه مستحسنا، هو نتاج "اجتهاد" مثقفين إسلاميين معاصرين.
وفي حين أن الإصلاح الخارجي شأن مشترك بين علمانيين وإسلاميين لكون موضوعه هو النظام الإسلامي الموصول بالدولة الحديثة أو المتطلع إلى "وصالها" واستتباعها، فإن الإصلاح الداخلي يقع على عاتق مسلمين مؤمنين بصورة حصرية، لأن الأمر يتعلق هنا بإعادة تشكيل التعاليم الإسلامية على أرضية القيم الإسلامية ومفهوم إسلامي للصلاح.
والواقع أن مفهوم الإصلاح الإسلامي إشكالي بالضبط بسبب ازدواج لا مفر منه لمعيار الصلاح الذي يحكم مفهومه. لا مجال للتوسع في هذه النقطة المهمة هنا. لكنها وجه واحد من وجوه التفكير في المسألة الإسلامية الحاضرة منذ عقود بصورة صاخبة أو أشد صخبا. في تناول مستقل سنحاول القول إن في هذه الحضور تحديا ثقافيا وفكريا ثمينا، يتعين عدم إهداره بحرتقات صغيرة.

2 التعليقات:

Gabriel يقول...

الأستاذ ياسين
لدي الكثير من الكلام بما يتعلق بإصلاح الجانب السياسي من الفكر الإسلامي ، أعتقد أن علينا وقبل البحث عن كيف سيصلح الفكر الإسلامي إيدولوجيته وكيف سيعيد بناء صورته ، أعتقد أن علينا الاتفاق على من هو المفكر الإسلامي ؟ وهل هو نفسه المفكر المسلم ( لا أقصد الفرق اللغوي والمعنى المشار إليه لغوياً بل كيف سيميز الطرح السياسي الاسلامي بين المسلم المعني بأمور السياسة وبين من تنشغل خانة الديانة في أوراقه الرسمية الحكومية بكلمة "مسلم الديانة " )
التيارات الإسلامية بمجملها مرتبطة بالتوجهات الطائفية للبيئة التي أنتجتها ، جميعها تنادي بقيم دينية إسلامية اجتماعيا ( متطابقة إلى حد ما ) وبتطبيق الشريعة سياسياً ( بشكل مختلف كلياً فيما بينها )
كمواطن سوري معني بطروحات الفكر الإسلامي الأكبر في سوريا ( التيار السنّي ) أجد نفسي آخذاً موقفاً عدائيها منها وبصراحة تامة كنت ولازلت لا أستسيغها ولا أفضل وجودها ! لكنني بدأت في الآونة الأخيرة رؤيتها بشكل أقل وحشية مما كنت أراه في السابق . فلازلت غير مقتنع بطرق معالجتها للواقع وطرق قراءتها للمعطيات لكنني لم أعد كالسابق أراها غير نافعة بشكل مطلق للتطبيق .
أفكار التيارات الإسلامية - بمجملها دون الإشارة إلى تيار فكري عن آخر - شمولية بتطبيقاتها ودليل على ذلك سيادتها في المملكة العربية السعودية ، قد نرى أنها غير صالحة وغير مجدية وغير منطقية وغير متماشية مع فكر القرن الواحد والعشرين إلا أن الشعب السعودي معترف ومقتنع بضرورتها ويفتخر بها ومن واجبنا ومبدأ الديمقراطية يفرض علينا احترام اختيار الشعب ورغبته .
المشكلة يا أستاذ كما قلت في البداية تكمن في آلية تعامل الفكر العلماني مع نظيره الديني
لربما أخطأت العلمانية بتقديم نفسها على أنها بديل للفكر الديني الأمر الذي استغله المتدينون لتقديم العلمانية على أنها تيار فكري إلحادي يهدف إلى حذف الجانب الديني من حياة الإنسان الأمر الذي لا يستطيع المواطن المتدين تقبله كون الدين يشكل محور لحياته وجزء من هويته ( لا أحب هذا الواقع لكن علينا تقبله والاعتراف بوجوده)

من جهتي وكصاحب فكر علماني أقرا أفكار شخص علماني آخر ، أعتقد أن التوجه العلماني مشاب بتوجهه نحو تحسين الفكر الديني (الذي يتعارض معه جملة وتفصيلاً )أليس العمل على البحث عن بديل للفكر الديني عن طريق تسويق الفكر العلماني كحل واقعي ومنطقي لبلاد متعددة الامتدادات الدينية (سوريا كمثال ) أفضل من البحث عن ثغرات الفكر الديني ( الذي نقتنع أنا وأنت وكل علماني بعدم قدرته على مجاراة الواقع وأفكاره وقيمه ) ومحاولة ترقيعها وتحسينها ؟
برأيك الشخصي ، ألا يتوجب على التيارات العلمانية العربية التفكير بنفسها أولاً وإصلاح طروحاتها وإعادة ترتيب أفكارها وصياغتها بشكل أفضل كي تتماشى مع الواقع الديني للمجتمعات العربية المتدينة بشكل عام أو على أقل تقدير ليبدأ المجتمع الديني المنغلق الخروج من قوقعته وتحسين واقعه ( مع أنني أرفض آلية طرح الأفكار والمشاكل على طاولة العروبة وبوتقة الوطن العربي .. لكن الواقع الذي يقول أن التيارات العلمانية في جميع الدول "العربية" تعاني نفس المعاناة فالحديث عن حلول تشمل جميع تلك التيارات ليس بالأمر المشين أو المناقض لقناعاتي )

سلامي لك والمعذرة على الإطالة

ياسين الحاج صالح يقول...

تحية طيبة
أرجوأن تجد في هذا الحوار الطويل ما يفيد في شأن تعليقك
http://www.halwasat.com/forum/index.php?topic=7264.new;topicseen#new