..بوجودها كائناتٍ موحدة الإرادة، تتصرف كوحدات سياسة في المجال العام في كل الأوقات. هناك طائفة مارونية وطائفة سنية وطائفة شيعية ورابعة درزية في لبنان... وفي سورية العلويون طائفة والسنيون طائفة والمسيحيون مثلهم. هذا غير صحيح، ويندر أن يكون صحيحا، رغم أنه الرهان الذي لا يتطلع إلى غيره المناضلون الطائفيون، هؤلاء الذين يثير سخطهم وأساهم أن رهانهم قلما يتحقق. وعي المناضل الطائفي شقي لذلك بالذات. فهو موزع بين مثال الطائفة الموحدة التي تهب هبة رجل واحد وبقلب واحد في وجه أعدائها ("طوائف" أخرى بالطبع)، وبين واقع انقسامها السياسي وقرب بعض أجزائها من "طوائف" أخرى، وبلوغ الخصومات داخلها حد العنف المتفجر أحيانا. وقد تستخدم عبارات مثل الخيانة والمؤامرة لوصف هذا الواقع، مع ميل مكمّل دوما إلى التهويل من وحدة وتجانس الجماعات الدينية والمذهبية الأخرى واعتبارها طوائف ناجزة، مستغرقة في التربص بطائفتنا المنقسمة المبعثرة، واأسفاه.
والحال ليست الطوائف وحدات سياسية أو فاعلين سياسيين موحدين، بل هي نتاجات محتملة لنضال سياسي توحيدي، يخوضه ويضحي من أجله مناضلون طائفيون. نتاجات محتملة فحسب، فرص تمام تحققها في الواقع محدودة جدا. نريد القول إن الطوائف لا توجد خارج السياسة، خارج التعبئة والكفاح والتحريض و...العنف الموجه ضد أعداء داخليين قبل أي أعداء خارجيين محتملين. هذا جوهري، وهو جوهر الطائفية.
ما يوجد خارج السياسة هو روابط دينية (أو "مذهبية")، يستحسن ألا نسميها طوائف لأننا في هذه الحال نعطي انطباعا بأن الطائفية نتاج الطوائف، أو نزكي نظرية عفوية تشتق الطائفية من الطوائف. العكس هو الصحيح، فيما نرى. الطوائف حصائل محتملة للنضال الطائفي. والأصل في هذا النضال ذاته هو التنافس على نيل مواقع تفاضلية أو امتيازية في إطار الدولة الوطنية الحديثة. الطائفية لا توجد إلا في إطار هذه الدولة، وإن تكن نقيضتها الأتم. افتراض أن الطوائف موجودة دوما ومتماثلة مع نفسها دوما يعني الاستسلام دون مقاومة ودون نضال للطائفية والمناضلين الطائفيين. وهو تواطؤ مع هؤلاء المناضلين أو غفلة عن كفاحهم الرجعي جوهريا والتمزيقي جوهريا.
ولكن ما هو أسوأ من سوء فهم الطائفية، هو سوء فهم الدولة والسياسة الوطنية. أمم الأرض جميعا (ونحن نتكلم على أرضية أمم- دول، أو بافتراضها الأطر الطبيعية لتفكيرنا السياسي) مكونة أصلا من جماعات متنوعة، إن لم تكن متخاصمة، فإن توجهاتها وعقائدها ومصالحها لا تتوافق تلقائيا. التوافق نتاج سياسي محتمل، نتاج نضال سياسيين ونخب سياسية وطنية. الدولة الوطنية تعمل على صنع شعب من "مادة أولية" بشرية ليست وطنية أصلا. هذا صحيح في كل مكان. الشعوب لا توجد نقية في الطبيعة. لكنها يمكن أن توجد في التاريخ. ووجودها مسألة جهد دائم، وليس شيئا ينجز مرة واحدة وينتهي الأمر. جهد تعليمي وقانوني واقتصادي وثقافي ومؤسسي وإداري، وسياسي طبعا. وقمعي أيضا. الشعب مع ذلك يبقى مفهوما تقريبيا، تتعزز وحدته وفقا للظروف لكنه معرض لانقسامات متنوعة، أفقية بخاصة. والسياسة الوطنية، سياسة المنظمات والأحزاب، وقبل الجميع سياسة الدولة بالطبع، هي التي تعمل على تغليب الشعب على الطائفة.
القصد أن الأمة أو الشعب، مثل الطوائف ذاتها، نتاجات صنعية. قد تواتي الظروف لتشكل الطوائف أكثر من الأمة، لكن الظروف لا تصنع طوائف جاهزة. نسلم أن صنع الأمة أكثر تعقيدا، أنها أقل طبيعية من الطوائف، لكن الطوائف ذاتها ليست كائنات طبيعية. بالمقابل، إن صنع الأمة هو الإيديولوجية "الطبيعية" للنخب السياسية والمثقفة الحديثة، الوطنية تعريفا. أما صنع الطوائف فهو خروج على الالتزام المعرِّف للسياسة الوطنية والنخب الوطنية.
ربما يقال: لولا وجود تمايزات دينية ومذهبية لما وجدت الطوائف، وتاليا فإن الأساسي في الطوائف، "الطوائف في ذاتها" حسب تعبير هيغلي ماركسي، موجودة قبل أي نضال سياسي، وأن دور هذا لا يعدو تحويلها إلى "طوائف لذاتها"، أمما سياسية. بلى, لكن وجود التمايزات أو الفوارق الدينية والمذهبية واقعة لا قيمة عامة لها. ليس فقط لأن المجتمعات جميعا ودون استثناء واحد عبارة عن منظومة تمايزات أو اختلافات، وأنها مكونة من جماعات دينية ومذهبية مختلفة، وإنما كذلك لأن أية تمايزات اجتماعية (ريف - مدينة، سهول – جبال، مقيمون – وافدون، فرانكفونيون – عرب، فتح - حماس..) قد يوظفها نضال ما لإنتاج وحدات سياسية، تعمل على إدامة نفسها وتزويد نفسها بأسس ثقافية، لتغدو "طوائف". فرص هذا النضال أكبر كلما كانت الدولة الوطنية أقل ضمانا للمساواة بين رعاياها، وأكبر بالطبع كلما كانت نخبها القائدة طليعية في ميدان التمييز.
ويتعين أن نضع في بالنا أن التمييز بين "ديني" و"مذهبي" يتضمن إرادة التقليل من شأن التمايزات الأخيرة، والرغبة في احتوائها، أي انه يجد أصوله في اعتبارات سياسية وعملية ووطنية. فيما يحصل في الواقع أن تكون الصراعات بين المذهبية بين منحدرين من مذهب واحد أشنع وأبهظ كلفة من الصراعات بين مختلفين في الدين. ومن وجهة نظر "مورفولوجيا" العقائد قد تعتبر "المذاهب" أديانا بكامل الاستحقاق.
كان كلود ليفي ستروس، الانثروبولوجي الفرنسي، يقول إن البربري هو من يؤمن بوجود البرابرة. وسبق أن نسجتُ على المنوال ذاته بالقول إن الإرهابي هو من يؤمن بوجود الإرهابيين. هناك منطق مشترك بين هذه القضايا هو ما يفيض عليها بالمعقولية. البربرية والإرهاب والطائفية علاقات وعمليات اجتماعية ومعرفية ورمزية، وليست "وقائع موضوعية" أو هويات جمعية ناجزة. لا يوجد البربري (بعقليته البدائية قبل المنطقية ونزوعه للعنف وحسيّته..) إلا ضمن تقابل مع غير البربري الذي هو نحن، من نصدر الأحكام، ومن نجعل البربرية هوية لمختلفين عنا وأدنى منا، لا بأس بسحقهم إذا اقتضى الأمر. لكن ألا نكون نحن البرابرة في هذه الحالة؟
ولا وجود للإرهابي، التحقق الفرد للهوية الإرهابية، إلا في علاقة مع لا إرهابي مزعوم، لا يوزع الأحكام بما يناسبه فقط، وإنما قد يشن حربا ضد الإرهاب يقتل فيها من الناس أضعاف أضعاف ما يمكن لأي إرهابيين قتلهم.
وبالمثل لا توجد الطوائف، تلك الهويات التي تفيض مجانسة وتماثلا ووحدة إرادة على جميع المنسوبين إليها، إلا في عين روضت نفسها على تحويل ما هو نتيجة للتحليل (الهويات) إلى مرئي مباشرة بالعين المجردة، أي على تشيييء ما هي في الواقع علاقات وعمليات مركبة.
العين الطائفية عين مدربة وليست بسيطة، مصنوعة وليست طبيعية، وإن كانت البساطة والطبيعية إيديولوجيتها الذاتية.
1 التعليقات:
مقال من الطراز الرفيع يثير الكثير من النقاط حول الطرح السياسي العصري لمفهوم الدولة والمواطنة .
بالتأكيد لا يوجد سياسياً مكان للماروني ومكان للعلوي والسني كونها بحد ذاتها " طوائف " وشعب دينية الوجود لا سياسية التوجه ( بحسب المبدأ والأساس )
لكن الواقع الذي تشهده المنطقة من صراع يجبرنا على الاعتراف بطائفية السياسة وخضوعها لمقاربات الطائفية
قد لا تكون السياسة بحد ذاتها ملعباً فعلياً للمباريات الطائفية والإختلافات العقائدية لكنها أصبحت بشكل من الأشكال امتداد للسجالات الفكرية الطائفية وورقة لعب بيد ممثلي الطوائف من شتى الأشكال . الحصول عليها يعني الحصول على نقطة اضافية وتميز خاص مقارنة بالمختلف بالطائفة والمذهب .
فعلى ذلك اختلف معك فيمن وصفتهم بالمناضلون الطائفيون فهم ليسوا بالضرورة من مجموعة المنتفعين من السجال الطائفي ولا أعتد انهم أشخاص مسيسين أو دمى يتحرك بها الأعداء الخارجين كما وصفتهم . بل هم أناس يعتبرون هويتهم الطائفية هي الهوية العليا ضمن أوليويات انتمائاتهم وعلى ذلك أصبح ولائهم لطائفتهم ولخدمتها أحد أهم اشكال التعبير عن الانتماء والولاء .
بكثير من الأحيان يكون الاستهداف الشخصي المبني على طائفة الفرد سببا مباشراً في انتاج شخص معتنق للفكر الطائفي وصاحب توجه منغلق يستسهل تفسير الأحداث بناء على المعطيات الطائفية ويبرر الواقع بناء على التوزع الطائفي الذي قد لا يكون بحد ذاته مقتنعاً به إلا أن الواقع الذي يهدده بناء على عقيدته يجبره على التمسك . وفي الأقليات المذهبية التي تعيش في الشرق الأوسط ، والجاليات المسلمية في أوروبا خير مثال على أن التعامل الاستثنائي ( السلبي قطعاً ) مع المختلف مذهبيا يحوله إلى كائن طائفي متمسك بطائفته .
قد يكون النموذج اللبناني الحالي أفضل مثال لمدى تفشي الطائفية وقدرتها على الظهور إلى السطح فور غياب الديكتاتورية ( التي قد تكون إيجابيتها الوحيدة قدرتها على سحق كل من يقف بعكس تيارها وأولهم اصحاب الانتماء الطائفي الأعلى )
وفي سوريا أيضا كان هناك دائما وجود للفكر الطائفي الذي يفوق انتمائهم لطائفته عامل المواطنة ، ولنا في قول " مسلم في الأندلس أقرب لي من فارس الخوري "خير مثال على ذلك
أعتقد أن على المصلحين الاعتراف بوجود أزمات تعايش بين الأديان على الصعيد الأول ( مرتبطة بدرجة أهمية الفكر الديني لدى الأفراد ) وأزمة أخرى للتعايش بين الطوائف على الصعيد الثاني وسببه ( او ينتج عنه ) غياب تام لمفهوم المواطنة الذي أتفق معك على أنه ليس "مادة أولية" لكنها بلا أدنى شك عامل أساسي في هيكلة مشروع دولة حديثة لها مكانتها .
إرسال تعليق