وافدا جديدا إلى دمشق في أواخر عام 2000، كنت مهموما بسبل تأمين العيش. خطر ببالي أن أصدر نشرة تتناول الشأن العام السوري، وأنها ربما تعينني كمصدر دخل. كان تلك أيام "ربيع دمشق"، وفي البلد أجواء عامة منفرجة نسبيا. ودون تأخير بدأت بالتنفيذ. كان لي صديق شاب، متخصص في الكمبيوتر وإخراج المطبوعات. كنت أكتب المواد، وهو، وصديقته حينها، ينضدانها ويخرجان النشرة التي كان اسمها "قنطرة". كنت قرأت في مكان ما أيام السجن أن لمعهد العالم العربي في باريس مجلة اسمها "قنطرة"، لكني كنت نسيت الأمر حين سميت نشرتي بهذا الاسم نفسه. وبعد وقت سأعلم أيضا أن هناك موقعا ألمانيا باللغة العربية اسمه أيضا قنطرة.
كان الاسم ملائما لغرضي. في مقدمة العدد صفر قلت إن "قنطرة" تريد أن تكون جسرا بين جيلين، من هم في عمري وأكبر وبين جيل الشباب، وبين من هم مختلفين إيديولوجيا، وكذلك بين طورين من أطوار الحياة السياسية في البلد. وقتها، كنت متفائلا بأن سورية تلج عهدا سياسيا مغايرا. كان تفاؤلا في غير محله.
كانت قنطرة مكونة من ست صفحات، وفي كل عدد من الأعداد الثلاثة التي صدرت منها 3 أو 4 مواد، أكتبها بنفسي، وفي الصفحة الأخيرة مادة لمثقف معروف، كنت أختارها من كتاب منشور له. في العدد صفر كان هناك نص لبرهان غليون، وفي العدد 1 نص لعزمي بشارة، وفي العدد 2 نص لغسان سلامة. سوري وفلسطيني ولبناني.
وكنت أوزع النشرة وأحاول أن أتقاضى لها ثمنا من الراغبين في الاطلاع عليها. لكنها بالكاد كانت تغطي كلفة طباعة نحو 100 نسخة من كل عدد. علما أن التنضيد والإخراج كانا مجانيين.
نالت "قنطرة" اهتماما معقولا، وبفعلها صرت معروفا بعض الشيء بين المهتمين بالشأن العام في سورية حينها.
كانت النشرة شهرية، وقد صدرت في الأيام الأخيرة من الشهير الأخير في عام 2000، ثم في الأيام الأخيرة من الشهر الأول، والعدد الأخير بعد شهر تماما في أواخر شباط. كنت حريصا على تواترها من باب الانضباط في العمل واحتراما للقراء. في ذلك الوقت كانت تصدر نشرة واحدة معارضة، اسمها "الموقف الديمقراطي"، تنطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي. كنت أعتبر نفسي من التجمع، ولقد كتبت قبل ذلك وبعده لنشرته، لكن كان يحنقني أن ائتلافا معارضا من عدة أحزاب لا يستطيع أن يحافظ على التواتر الدوري لنشرة متواضعة، أو على مستوى معقول لموادها. وعلى تواضع تجربة "قنطرة"، فإنها شاهد على أن عملا منضبطا يقوم به فرد واحد قد يؤتي من ثمارا معقولة، لا يثمرها عمل متوان لهيئات.
بعد ثلاثة شهور توقفت "قنطرة"، تحت تأثير مزيج من قلق أمني من طرفي، ولأني لم أكن متحكما بشيء من "أدوات إنتاجها". كنت مقيما في قدسيا حينها، وكان صديقي الشاب الذي ينضد ويخرج النشرة مقيما في جرمانا، ولم تكن مواعيده مثالا للانضباط. كأن يحصل أن أقضي أكثر من ساعة على الطريق للوصول إلى بيته في موعد متفق عليه، ثم لا أجد أحدا. ثم إني كنت أيضا بحاجة إلى ما يعود علي بدخل. وكانت الترجمة عن الانكليزية والنشر المبعثر وغير المنتظم حينها في الصحف مصادر دخلي الوحيدة. كان صعبا علي أن أحافظ على "قنطرة" في مثل وضعي آنذاك.
قبل وقت قصير اقترح علي الصديق نفسه أن أعود إلى إصدار "قنطرة". فكرة طيبة. لكن ليس مناسبا أن تتكرر بالصيغة نفسها. لا أستطيع اليوم أن أكتب موادها كلها أو أكثرها. لكن ربما تكون نشرة متوسطة الحجم شيئا يستحق أن نعمل عليه يوما، مجموعة من الشبان والكهل الذي هو أنا!
4 التعليقات:
قريبا جدا إن شاء الله .
حقيقى موقع ممتاز وتحفه اخر حاجه . اتمنى لكم الاستمرار بالنجاح والتقدم
المدونه ممتازه مووووووووووووووت
لكم منى اجمل تحيه
مدونة رائعة جداا .. بالتوفيق ان شاء الله
واتمنى المزيد من الموضوعات الشيقه
إرسال تعليق